مقالات

“إسرائيل” الى متى؟ الجزء (1ـ 3)

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص “المدارنت”
كانت الغالبية الساحقة من يهود العالم قد إنصهرت في مجتمعاتها القومية منذ أواسط القرن التاسع عشر، وكان اليهود العرب يعيشون كمواطنين في البلاد العربية دون أيّ مشكلات، يمارسون حياتهم كغيرهم من المسيحيين والمسلمين العرب، إلى أن قامت المنظمة الصهيونية العالمية على أيدي الرأسمالية العالمية وفي قلبها الرأسمالية اليهودية – الصهيونية.
وبدأت في تحريض يهود العالم للإنضمام إلى العقيدة الصهيونية، ومشروعها الإستعمار، فلقيت معارضة شديدة من معظم اليهود، إستمرت ما يقرب من ربع قرن، فيما بعد،  إستطاعت المنظمة الصهيونية من فرض رؤيتها وعقيدتها ومشروعها الإستعماري على أغلب اليهود، بفعل ما تملك من إمكانيات مالية ضخمة ووسائل ضغط وإبتزاز، وبفعل أساليب إرهابية كثيرة إستخدمتها ضد اليهود الرافضين لها، وكان من بينها تفجيرات وإغتيالات وضغوط كبيرة لإجبار المتمنعين على الرضوخ والإنصياع للمشروع الصهيوني، ومع إنتهاء الحرب العالمية الأولى، كانت بريطانيا قد إحتلت فلسطين، وبدأ تنفيذ وعد بلفور بإغتصاب فلسطين تدريجيًا..

كانت خلاصة المشروع الصهيوني تقوم على عدة ركائز أساسية:
1/ إن ن اليهود يشكلون قومية دينية خاصة بهم، ومقتصرة عليهم فقط، وبالتالي، يجب أن يتجمعوا في دولة واحدة. إختاروا فلسطين، لتكون تلك الدولة، بإدعاء وجود “بني إسرائيل” فيها قبل آلاف السنين..
2/ إن اليهود – “بني إسرائيل” – هم شعب الله المختار، وأن الله منحهم هذه الخاصية، وإختصهم بها، وسمح لهم بناء عليها بإستخدام كل الشعوب الأخرى لخدمة أهدافهم هم؛ أكان بالتسخير أو الإستغلال أو الإستعمال أو حتى القتل..
3/ إن الله، هو الذي وعدهم بإعطائهم أرض فلسطين، كأرض الميعاد، لتكون منطلقا لتأسيس مملكة ،بني صهيون”، أي “إسرائيل الكبرى”..
وقد نجحت تلك الأفكار في إغراء الكثير من يهود العالم بالهجرة إلى فلسطين؛ على خلفية إدعاءات دينية تدعمها مزاعم “التلمود” وهو الكتاب الديني المقدس عندهم، وهو بالمناسبة غير “التوراة” التي نزلت على نبي الله موسى، و”التلمود” عبارة عن كتابات متنوعة جدًا، فيها الكثير من الأفكار المتطرّفة والعنصرية، والمبتذلة أيضا، وهو نتاج كتابات حاخامات وشخصيات يهودية إمتدت سبعة قرون كاملة..
اللافت أن الدافع الديني “التلمودي” لحثّ اليهود على ترك أوطانهم والهجرة إلى فلسطين، لم يكن كافيا لوحده إلا جزئيا: على عدد من اليهود ولمدة زمنية محدودة، وعلى هذا الأساس لم يتجاوب معظم اليهود العرب مع التحريض الصهيوني، فأقدم  الصهاينة على تنفيذ تفجيرات متعددة في أحياء اليهود وكنائسهم في عدد من البلدان العربية، لإرغامهم على مغادرتها والهجرة إلى فلسطين، وهذا ما حصل..
حتى أن وثائق كثيرة رسمية، كشفت عن تعاون سرّي ما بين الحركة الصهيونية ونظام هتلر النازي، وفيه شجع الصهاينة النازيّين على إضطهاد اليهود وإرتكاب أعمال عدوانية ضدهم، وهو ما حصل وصار يُعرف بإسم “الهولوكست” الذي أجبر غالبية يهود ألمانيا على الهجرة إلى فلسطين، وقد إستغلت الصهيونية أحداث “الهولوكست” النازية، لإطلاق ما سُمّي معاداة السامية، التي أصبحت سوطًا يقمع كل رأي حرّ، وكل موقف يشير أو يرفض أو ينقد أيّ ممارسات أو مواقف لدولة “إسرائيل”، طبعا بعد أن ضخموا أحداث “الهولوكست”، وأبدعوا في توصيفها بشكل مبالغ جدًا وبشكل مؤثر جدًا أيضا..
أمّا إستخدام “الهولوكست”، فقد خدم الصهاينة لفترة أطول وأكثر إمتدادا: دوليا وزمنيا أيضا، وجعلوا بالتعاون التام مع الغرب الإستعماري كلّه من “الهولوكست” مادة أساسية في العقل الصهيوني، وحتى في العقل السياسي الغربي الرسمي، أولا، والشعبي ثانيا. فشهدنا تعاطفا دوليا كبيرا مع الصهاينة، تحت شعار ما تعرضوا له من إضطهاد نازي، أولًا، وغربي عمومًا..
ومع تطورات الأحداث والمواجهات العربية للمشروع الصهيوني؛ بدأت تتراجع فعالية التضامن العالمي مع اليهود، بحجة “الهولوكست”، حتى عند أعداد متزايدة من يهود العالم أنفسهم..
ثم كانت المرحلة الأخيرة من خطاب الصهيونية التحريضي، والتي تقوم على الإغراء بحياة مُرفهة آمنة مطمئنة، وآفاق مستقبلية مفتوحة في ظل “نظام ديموقراطي”، لا تعرف المنطقة مثلا له..
خلاصة القول، إن خطاب التحريض الصهيوني لحثّ اليهود على الهجرة إلى فلسطين، قد مرّ بثلاث مراحل مختلفة:
الأولى: إستخدام الخلفية “الدينية”، وإدعاءات “التلمود”، وإعتبارها جوهر العقيدة الصهيونية، ومشروعها السياسي الإستعماري..
الثانية: إستغلال “الهولوكست”، لخلق الشعور بالإضطهاد والتخويف من البقاء خارج إطار “الوطن القومي لليهود”، أي فلسطين المحتلة..
الثالثة: مرحلة الإغراء بالحياة المرفهة والمكاسب المادية، كإمتلاك أرض خاصة وضمانات إجتماعية تامة، وأمان دائم وديموقراطية لا مثيل لها، وجيش لا يقهر …
مع العلم أن الأسس الثلاثة، بقيت ولا تزال متداخلة في الخطاب الصهيوني الموجه الى اليهود في العالم، بينما تركز الخطاب الإغرائي النفعي في السنوات الأخيرة متغلبا على ألأسس الأخرى التي فقدت بريقها إلى حد كبير، نتيجة الممارسات العسكرية والأمنية والسياسية لدولة الصهاينة، التي كشفت جوانب مهمة من كذب إدعاءاتها حتى لدى اليهود أنفسهم..
ولما كان خطاب الإغراء المادي – النفعي هو الغالب المهيمن في العقود الأخيرة لحثّ اليهود على الهجرة إلى فلسطين؛ فقد دلت الأحداث والوقائع والإحصاءات أنه قد فقد بريقه أيضا بشكل شبه تام..
إن مراجعة موضوعية لواقع حال الخطاب الصهيوني في السنوات الأخيرة؛ تُبيّن أن الأسس الثلاثة الرئيسية التي إعتمدتها الصهيونية لجذب اليهود الى فلسطين، قد فقدت جاذبيتها وتراجعت، بل وإنكشفت إدعاءاتها الكاذبة للجمهور اليهودي عامة..
وإذا كانت الإمكانيات الدعائية والإعلامية الهائلة للمشروع الصهيوني، قد إستطاعت إخفاء دوافعه الإستعمارية، وممارساته الإجرامية الوحشية وعنصريته البارزة المتمرسة في عنصريتها في تعامله مع شعب فلسطين؛ في المراحل الأولى؛  إلا أنها إنفضحت وبانت للعالم أجمع حقيقتها الإجرامية..
إن الممارسات الإجرامية الوحشية لدولة الصهاينة، وتعاملها العدواني المجرم مع شعب فلسطين، وصولا إلى حرب التدمير والإبادة الجماعية الشاملة، مع ما رافقها من عدوان متعمد وحشي على المؤسسات الطبّية والإعلامية والإغاثية، وحرب التجويع الشاملة، وكل ما يهتك القوانين الدولية ذاتها؛ مرورا بكل أشكال الإضطهاد والتمييز بحق فلسطينيي الداخل، وإسقاط كل حقوقهم كبشر وكمواطنين، وصولا إلى جدار الفصل العنصري وموجات التهجير والإعتقال والتعذيب؛ فتحت أذهان وعقول قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي الشعبي على خطورة المشروع الصهيوني على الحضارة الإنسانية، وليس فقط على فلسطين وشعبها..
ما نود التركيز عليه هنا ، هو ذلك الجانب المتعلق باليهود أنفسهم، وما طرأ على حياتهم وفكرهم وقناعاتهم من تبدلات، نتجت عن ممارسات دولتهم المزعومة ذاتها، وما فيها من عدوانية وإجرام ووحشية؛ وما صلة هذا بقدرة تلك الدولة على البقاء والإستمرار..
حاولت الدعاية الصهيونية، إقناع اليهود أن فلسطين أرض بلا شعب، فإذا هم إزاء شعب عريق متجذر في أرضه، متمسّك بها، يدافع عنها حتى آخر رمق في حياته..
في سنة 1948، غادر عشرات آلاف الفلسطينيين قراهم وبيوتهم تحت تأثير وهول مجازر العصابات الصهيونية؛ وتحت تأثير دعايات كبيرة جدًا، شاركت فيها بريطانيا وحكومات عربية، أضافة للإعلام الصهيوني، وأوهمتهم أنها هجرة مؤقتة، وسوف يعودون إلى بيوتهم بمجرد إنتهاء الحرب..”كلّا كَمْ يوم ونرجَع”، ولا يزالون يحتفظون  بمفاتيح دورهم وبيوتهم، بآنتظار عودتهم الأكيدة، وفيما تلا ذلك من حروب وأحداث، لم يغادر أحد منهم، بعد أن أدركوا كلّ ما مورس بحقهم من أكاذيب ووعود..
(يتبع)

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى