مقالات

إصلاح الفساد.. الجزء (2)

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص “المدارنت”
إصلاح الفساد لا يكون إلا بإجتثاثه: رؤية ونهجا ومسلكا ومناصب..
قلنا أن حديث الإعلام عن شروط البنك الدولي لإقراض لبنان تتمثل في إجراء ” إصلاحات” مالية وإقتصادية وسياسية؛ ليست إلا مخادعة كبرى لتضليل الشعب اللبناني، وتمرير شروط خارجية تضمن تبعية تامة للمنظومة الرأسمالية ومؤسساتها الربوية..
2/ يدخل في باب الخداع أيضا كل حديث يحكي أو يطالب بإصلاح سياسي يقوم به النظام الحاكم لتأمين ألإستقرار المطلوب، فهل هذا ممكن واقعيا وعمليا؟
تطالب عدة دول خارجية النظام السياسي الحاكم في لبنان بإجراء إصلاحات سياسية لضمان إستقرار الوضع اللبناني وآنطلاق مسيرة العهد الجديد..وذاك مطلب يحمل الكثير من المخادعة والإلتفاف على مطلب تغيير نظام المحاصصة الطائفية – المذهبية الفاسد..
فهو أولا غير ممكن لأن نظاما يقوم على المحاصصة وتبادل الصفقات والمنافع لا يمكن أن يصلح لأنه فاسد في أساساته ومعاييره وفي قواه السياسية ورؤاه الثقافية ومفاهيمه الإجتماعية، نظام ليست له مصلحة في التغيير، التغيير الجزئي أو الكلي، لأن التغيير يفقده قدرته على حماية إستمرار مصالحه وما فيها من عوائد نفعية متبادلة بين قواه؛ يفقده إمكانية التلاعب والتأثير في المسارات التنفيذية، وقبلها في كل مسار وظيفي وتشريعي، فالنظام الفاسد هذا لا يقبل ولا يريد ولا يستطيع تغيير ذاته أو حتى إصلاحها، وعلى العكس من ذلك كله، فهو يتخذ دائما من الإجراءات التي تحميه وتبقيه وتزوده بمزيد من الإمتيازات والصلاحيات والمنافع..
وفي كل مرة ترتفع أصوات شعبية حرة تطالب بالتغيير؛ وفي كل مرة يبلغ التذمر الشعبي مبلغا مهددا بإنفجار؛ يلجأ النظام السياسي إلى حماية ذاته في مواجهة هذه الإحتمالية؛ بالإلتفاف على المطالب الشعبية وإحتوائها بحديث مخادع دائما عن تغيير في قانون الإنتخاب مثلا؛ فإذ به يصدر قانونا جديدا أكثر سوءًا، وفي مواجهة أي ضغط شعبي يلجأ إلى تحريك أدواته وأجهزته لتفسير كل تحرك مزعج له أو مطلب ضاغط عليه؛ على أساس من الخلفية الطائفية أو المذهبية؛ فتنتفض مشاعر المتعصبين الفئويين ويعلو صراخها وضجيجها فتقطع الطريق على كل مطلب تغييري محق، كما يحدث تماما عند كل فضيحة تطال أحد أبناء نظام المحاصصة أو أركانه أو رموزه؛ فيلجأ النظام ذاته إلى التحريض الطائفي أو المذهبي لوأد أيّ محاسبة حقيقية تكشف الوقائع وتعاقب المعنيين على أساسها.
وحينما تتفاقم روائح الفضائح أكثر ويصبح من اللازم التضحية بأحد الأشخاص حماية للنظام برمته وتبرئته؛ يقدمون شخصا ككبش فداء ويحجبون ما فيه وعنده من فضائح وأسماء ووقائع، كما حصل مع السيد رياض سلامة، حاكم البنك المركزي السابق والمعتقل..

وللعلم، فإن كل ما كان يقال ويشاع عن معلومات فضائحية يملكها ويهدد بها الجميع؛ لم يعلن عنها شيئا، ربما أملا في مساعدته وتخفيف العقوبات عليه أو ربما بسبب تدخلات دولية خوفا من فضائح تطال الجميع في الداخل والخارج.
كما ان قوى النظام، كثيرا ما تشغل الناس بفضائح بسيطة صغيرة هامشية، يرتكبها موظف بسيط هنا أو سمسار هزيل هناك؛ للإيحاء بأنهم يحاربون الفساد وإلهاء الناس عن الفساد الأكبر والأساس، بتفاصيل محيرة تضيع الحقيقة وتضلل الرأي العام..

الجانب الآخر في هذه المخادعة المتعلقة بالحديث عن إصلاح نظام فاسد؛ يشمل الجهات الخارجية المطالبة بمثل هذا الإصلاح..
إن مطالبة بعض الدول الخارجية مثل فرنسا أو بريطانيا أو الولايات المتحدة؛ بإصلاح نظام المحاصصة في لبنان، تنطوي على خداع جوهري يتعلق بطبيعة النظام ذاته: فهو نظام نشأ بين يدي التدخل الأجنبي المباشر ويستمر برعايته له وحمايته إياه، وحينما يطالبه رعاته بإصلاح ذاته فهم يريدون إيهام اللبانيين، أنهم غير مشاركين في صفقاته وفساده، لا بل أنهم متضررون من فساده لذا يطالبونه بالإصلاح، وهم أنفسهم مشاركون له ومستفيدون منه ومن فساده؛ حتى أن ممثليهم الذين يختارونهم ويعينونهم في المناصب التنفيذية، كالوزارات مثلا، هم أكثر من يمارس الفساد والمشاركة في تبادل المنافع وإتمام الصفقات الكبيرة، وحماية الأسرار والخفايا والأدوات والوسائل، يعينونهم من خلال واجهات لبنانية محلية من قوى النظام وأركانه..
إن هذه الدول وكل من يمثلها أو يرعى مصالحها، هم المستفيد الأول من كل ممارسات الفساد في سلوك أطراف النظام، وهم يهدفون إلى تبرئة أنفسهم وحماية وكلائهم، وتأمين أستمرارية نفوذهم وضمان مصالحهم..
لم يعد خافيا أن كثيرا من الوزراء يختارهم النفوذ الأجنبي، ومؤسساته المعروفة أو غير المعروفة، ودائما ما يحظون برعاية محلية من أحد أطراف النظام، بعد أن تتم عمليات تجميل وتسويق فخمة وناجحة ومؤثرة لهم، بعضهم ينكشف بعد مغادرته موقع المسؤولية، وبعضهم يبقى ويحضر لمراحل لاحقة وأدوار أخرى..
وبالتالي، لن يكون هؤلاء جزءا من أي أصلاح يمكن أن يطال نظام المحاصصة والفساد..
إن أي إصلاح لا يبدأ بالأسس الفاسدة التي يقوم عليها النظام؛ كالمحاصصة الطائفية والمذهبية، لن يفلح أبدا..
إن أي إصلاح لا يبدأ بكبار الفاسدين الذين نهبوا وسرقوا اموال الشعب والوطن والدولة – والجميع يعرفهم بل يتداول أخبار سرقاتهم وفضائحهم – لن يحقق شيئا..
هؤلاء الذين راكموا ثروات شخصية وعائلية ضخمة على حساب تعب اللبنانيين وحقوقهم؛ هم أنفسهم الذين يعرقلون أي محاولة لإصلاح جدي ولو بسيط ولكنه صادق..
هؤلاء ينتمون إلى كل لبنان، وكل طوائفه وكل مذاهبه، وما أكذب ما يدّعون حين يتقاتلون لخداع اللبنانيين..
ما لم تبدأ محاسبة الفاسدين الكبار؛ أقله بدءا من إسترجاع الأملاك العامة التي يسخرونها ويستثمرونها ويستفيدون دون الدولة من عوائدها; لن تكتسب أية خطوات “إصلاحية” أخرى شأنا مهما..
إن هذه القوى ذاتها التي تشكل نظام المحاصصة، هي التي تهدد مسيرة الرئيس جوزف عون، وتعرقل برنامج خطاب قسمه المهم؛ حائلة دون تنفيذ الجوانب الأهم والأبرز منه، تعرقل وتبتزّ وتناور وتلتف وتحاصر ولها من الخبرة العملية الكثير ومن النفوذ الدولي الحماية والرعاية: تستقوي بها وتراهن عليها، وإذا لم يستند العهد الجديد إلى قوة شعبية وطنية تتجاوز العصبيات الفئوية جميعا؛ فقد يتعذر عليه التقدم الجدي نحو تحقيق ما وعد اللبنانيين به في خطاب قسمه، قوة شعبية موجودة لكنها مشتتة، فإذا إستطاع أن يكون جامعا لها ومحورا على أساس برنامجه الرئاسي؛ فإنه يستطيع إنجاز الكثير لمصلحة لبنان وتطلعات أبنائه..
إن كل حديث عن الفساد والإصلاح، مع إبقاء الفاسدين في مناصبهم؛ إنما هو مخادعة كبرى لا تنطلي على أحد..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى