عربي ودولي

إيران.. حين يلتقي الشارع بـ”التنظيم”!

“المدارنت”
منذ أكثر من أربعة عقود، يواجه نظام ولاية الفقيه، تحديًا لم يتمكن، رغم القمع والإعدام والملاحقة، من القضاء عليه. وجود مقاومة منظمة داخل إيران، تعمل من أجل إنهاء حكم الملالي، وفتح الطريق أمام بديل ديمقراطي يعيد السيادة إلى الشعب الإيراني
.

وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة اليوم، في ظل موجات الاحتجاج والانتفاضات التي شهدتها إيران خلال السنوات الماضية. فمن احتجاجات 2009 إلى انتفاضات 2017 و2019 و2022، وصولًا إلى موجات الاحتجاج الأخيرة، أثبت المجتمع الإيراني أن الغضب من النظام لم يعد حالة عابرة أو مطلبًا اقتصاديًا محدودًا، بل أصبح أزمة عميقة بين غالبية المجتمع وسلطة لم تعد قادرة على البقاء إلا بالقوة.

لكن التجربة تطرح سؤالًا أكثر أهمية: ماذا يحدث عندما يصطدم الغضب الشعبي، مهما كان واسعًا، بسلطة مستعدة لاستخدام كل أدوات القمع لإخماده؟
الجواب يكمن إلى حد كبير في كلمة واحدة: التنظيم.

الاحتجاج وحده لا يكفي
أظهرت الانتفاضات الإيرانية المتعاقبة شجاعة استثنائية لدى الشباب والنساء والعمال والطلاب والمواطنين الذين واجهوا قوات الحرس الثوري والباسيج والأجهزة الأمنية. لكن النظام، في المقابل، راكم خلال عقود خبرة واسعة في قمع الاحتجاجات.. إغلاق الشوارع، الاعتقالات الجماعية، قطع الإنترنت، نشر القوات، إطلاق النار، والمحاكمات والإعدامات.

يمكن للنظام أن يفرق مظاهرة، أو يحتل ساحة، أو يقطع وسائل الاتصال. لكن الأمر يصبح مختلفًا عندما يواجه شبكة منظمة قادرة على العمل تحت القمع، والاستمرار بين موجة احتجاج وأخرى، والحفاظ على جذوة المقاومة داخل المجتمع.

هنا تبرز أهمية وحدات المقاومة المرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية. فالمعارضة الإيرانية تُقدَّم أحيانًا في الخارج بوصفها نشاطًا سياسيًا في المنفى أو تحركًا للجاليات الإيرانية. وهذه الصورة، رغم وجود جانب منها، تتجاهل عنصرًا أساسيًا في المعادلة: وجود مقاومة منظمة تعمل داخل إيران نفسها.

ويشكل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، ائتلافًا من قوى وشخصيات ديمقراطية معارضة للنظام، فيما تمثل منظمة مجاهدي خلق الإيرانية أكبر مكوناته وأكثرها تنظيمًا. أما وحدات المقاومة العاملة داخل البلاد، فهي تتحرك في ظروف تجعل مجرد الارتباط بها سببًا كافيًا للاعتقال والسجن، وقد يصل الأمر إلى أحكام بالإعدام.

لماذا يخاف النظام من مجاهدي خلق؟
ليس من قبيل المصادفة أن يضع النظام منظمة مجاهدي خلق في قلب استراتيجيته الأمنية منذ السنوات الأولى لقيام حكمه. فقد استخدم ضدها الإعدام، والسجون، والتعذيب، والعمليات الاستخباراتية، وحملات التشويه والشيطنة، في محاولة لقطع صلتها بالمجتمع الإيراني.

وكانت مجزرة السجناء السياسيين عام 1988 واحدة من أكثر محطات هذا الصراع دموية، حيث أُعدم نحو 30 ألف سجين سياسي، وكان أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الهدف الرئيسي للمجزرة.

لكن المفارقة أن كل هذه العقود من القمع لم تُنهِ وجود المقاومة المنظمة. بل إن استمرار اعتقال وإعدام من يتهمهم النظام بالارتباط بمنظمة مجاهدي خلق ووحدات المقاومة يكشف أن السلطة نفسها تنظر إلى هذا التنظيم باعتباره تهديدًا جديًا لبقائها. فلو كان بلا تأثير أو حضور، فلماذا يخصص النظام كل هذه الموارد الأمنية والاستخباراتية والسياسية لملاحقته وتشويهه؟

وحدات المقاومة.. ما تحت سطح الشارع
تكمن الأهمية الاستراتيجية لوحدات المقاومة في أنها ليست مجرد اسم آخر للمحتجين، بل بنية تنظيمية تعمل تحت سطح المجتمع. وهي تسعى إلى إبقاء صوت المقاومة حاضرًا عندما تجعل القبضة الأمنية التظاهر العلني شديد الصعوبة، من خلال نشر رسائل وشعارات المقاومة، وكسر أجواء الخوف، وتشجيع الاحتجاج والعصيان، ومواجهة رموز القمع، وإثبات أن سيطرة النظام على الشارع ليست مطلقة.

هنا تتشكل المعادلة التي يخشاها النظام أكثر من أي شيء آخر: التقاء الانتفاضة الشعبية بالمقاومة المنظمة.
فالاحتجاج العفوي يستطيع أن يشعل الشارع، لكن التنظيم هو الذي يساعد على ضمان الاستمرارية، وربط موجات الاحتجاج بعضها ببعض، والحفاظ على الشبكات تحت القمع، وتوجيه الغضب الاجتماعي نحو هدف سياسي واضح.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل سينتفض الإيرانيون مجددًا؟ فقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن أسباب الانتفاضة قائمة ومتفاقمة. السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا سيحدث عندما تتزامن الانتفاضة المقبلة مع اتساع شبكة منظمة مستعدة للعمل داخل المدن؟

البعد الإقليمي للتغيير في إيران
بالنسبة إلى دول الخليج والعالم العربي، لا يمكن النظر إلى مستقبل إيران بوصفه شأنًا داخليًا معزولًا. فالنظام الذي يقمع شعبه في الداخل هو نفسه الذي صدّر الأزمات إلى المنطقة، وبنى شبكات الميليشيات، وهدد أمن الملاحة والطاقة، وحوّل موارد إيران إلى أدوات نفوذ وصراع.

لذلك، فإن التغيير الديمقراطي من داخل إيران ليس مسألة إيرانية فقط، بل يرتبط أيضًا بأمن المنطقة واستقرارها. فالبديل الحقيقي للحرب الخارجية أو المساومات المؤقتة مع النظام ليس ترك الشعب الإيراني وحده، بل الاعتراف بحقه في مقاومة الديكتاتورية، ودعم مسار تغيير تقوده قوى منظمة داخل المجتمع الإيراني.

فالحرب قد تضعف النظام، لكنها لا تبني ديمقراطية. والصفقات التي تتجاهل طبيعة هذا النظام قد تمنحه وقتًا جديدًا لإعادة إنتاج القمع والتدخلات. أما التغيير القادم من الداخل، عندما يلتقي الشارع بالتنظيم، فهو الطريق الأكثر واقعية لإنهاء مصدر الأزمة من جذوره.

من إسقاط النظام إلى البديل الديمقراطي
لا تقتصر أهمية المقاومة الإيرانية على قدرتها التنظيمية داخل البلاد، بل تمتد إلى وجود إطار سياسي للمرحلة التالية يتمثل في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.

وقد طرحت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية للمرحلة الانتقالية، برنامجًا من عشر نقاط يقوم على جمهورية ديمقراطية، وانتخابات حرة، وتعددية سياسية، وحرية التعبير والأحزاب، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، واستقلال القضاء، واحترام حقوق الإنسان وحقوق المكونات القومية والدينية.

وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن القضية ليست إسقاط ديكتاتورية لفتح الطريق أمام ديكتاتورية أخرى، بل نقل السيادة إلى الشعب الإيراني ليقرر مستقبله عبر صناديق الاقتراع.

فمستقبل إيران يجب أن يحدده الإيرانيون أنفسهم، لا أي قوة خارجية. والاعتراف بوجود مقاومة منظمة لا يعني منح أي جهة حق تقرير مستقبل إيران مسبقًا، بل يعني الاعتراف بواقع سياسي وتنظيمي قائم لا يمكن تجاهله عند قراءة سيناريوهات التغيير.

الانتفاضة المقبلة قد تكون مختلفة
من أكبر الأخطاء في قراءة المشهد الإيراني اختزال المعارضة في المظاهرات العفوية من جهة، أو في نشاط الإيرانيين في الخارج من جهة أخرى، مع تجاهل ما يجري داخل البلاد. فإذا دخل النظام في أزمة سياسية كبرى، فلن يكون عدد المواطنين الذين ينزلون إلى الشوارع هو العامل الوحيد الذي يحدد مسار الأحداث. ستكون هناك أسئلة أخرى لا تقل أهمية: من يستطيع الحفاظ على استمرارية الحركة؟ من يمتلك شبكات داخل المدن؟ ومن يستطيع الربط بين الاحتجاجات المتفرقة وتحويلها إلى حركة سياسية وطنية تستهدف إنهاء الديكتاتورية؟

لقد أثبت الشعب الإيراني في انتفاضاته المتلاحقة أنه يريد التغيير، وأثبت النظام، في المقابل، أنه لن يتردد في استخدام أقصى درجات العنف للحفاظ على سلطته. لكن المعادلة لا تتوقف عند هذين الطرفين. هناك عامل ثالث يتعاظم تأثيره: المقاومة المنظمة.

إن المقاومة الإيرانية ليست ظاهرة موسمية تظهر عندما تمتلئ الشوارع بالمحتجين ثم تختفي بانتهاء المظاهرات. إنها حركة صمدت أمام عقود من القمع، ولديها تنظيم وشبكات وبرنامج سياسي وهدف معلن يتمثل في إسقاط نظام ولاية الفقيه وإقامة جمهورية ديمقراطية.

ولهذا، عندما تندلع الانتفاضة الكبرى المقبلة، قد لا يكون العامل الحاسم مجرد حجم الغضب الشعبي، بل قدرة هذا الغضب على الالتقاء بقوة منظمة تستطيع تحويله من انفجار اجتماعي إلى مسار سياسي نحو إسقاط النظام ونقل السيادة إلى الشعب.

حين يلتقي غضب الشارع بتنظيم قادر على الاستمرار، لا يعود السؤال هل يتغير النظام، بل متى يفقد قدرته على منع التغيير.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى