اتساع الخلافات بين مكوّنات “المعارضة” في مصر!

“المدارنت”
مثل بيان الحركة المدنية الديمقراطية، التي تمثل أكبر تجمع للمعارضة في مصر، الذي أعلنت خلاله إعادة هيكلة شاملة تضمنت الدفع بجيل الوسط في قيادتها، ما يشبه القطيعة بين الأحزاب الناصرية واليسارية من جهة، والأحزاب الليبرالية من جهة أخرى.
وكانت الحركة أعلنت إلغاء مجلس الأمناء، مع اختيار المهندس أكرم إسماعيل منسقًا عامًا للحركة، وتشكيل لجنة تنفيذية تضم في عضويتها صلاح عدلي وسيد الطوخي وخالد تليمة وحمدي قشطة وأحمد كامل، مع استمرار المناقشات لاستكمال تشكيل اللجنة حتى تكون تعبيرًا عن كافة مكونات الحركة الحالية أو التي سوف تنضم من أحزاب وشخصيات عامة.
وشددت الحركة، في بيانها الذي أصدرته مساء الجمعة الماضي، على اعتبار الأحزاب التي قررت المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية السابقة على قوائم السلطة، مهما كانت أسبابها، تعتبر خارجة عن الحركة من هذه اللحظة.
كما قبلت “تجميد نشاط الأحزاب التي أعلنت تجميد نفسها، لتصبح هذه الأحزاب غير ممثلة في الحركة”، في إشارة إلى الأحزاب الليبرالية التي خاضت الانتخابات البرلمانية الأخيرة على قوائم السلطة، ورفعت شعار الحيز المتاح.
في المقابل، أعلن حزب الدستور الذي أسسه نائب رئيس الجمهورية الأسبق محمد البرادعي، اعتراضه على تشكيل المكتب التنفيذي الجديد للحركة، مشيراً إلى اختلال واضح في التمثيل السياسي، حيث يغلب عليه تمثيل التيارين الناصري واليساري في مقابل غياب التمثيل الملائم للتيار الليبرالي ما لا يعكس التنوع الحقيقي داخل الحركة.
وانتقد “استبعاد” بعض أحزاب الحركة والإعلان عن ذلك والتناول الإعلامي للأمر بما يحمل قدراً من الإقصاء، موضحاً أن ذلك لا يليق بحركة ذات تاريخ ودور وطني كبير ولا يتفق مع قيم الحوار والديمقراطية التي تنادي بها، ويتنافى مع أهدافها كونها حركة جامعة لكل القوى المدنية.
وحسب حزب الدستور، لم يعرض البيان الصادر بشأن التشكيل على الأمانة العامة قبل نشره، وطالب بسحب البيان وإعادة صياغته بما يحفظ وحدة الحركة واحترام جميع مكوناتها، وإلغاء أي صياغات تحمل معنى الإقصاء في استبعاد أو خروج أي حزب من أحزاب الحركة، وعرض البيانات والتشكيلات الأساسية على الأمانة العامة قبل اعتمادها أو نشرها، وإعادة النظر في تشكيل المكتب التنفيذي بما يضمن تمثيلاً متوازناً لمختلف التيارات، وعلى رأسها التيار الليبرالي والمدني.
كما دعا إلى الالتزام بالآلية المتفق عليها لإعداد التشكيل والاستفادة من دور الأستاذ أكرم إسماعيل في الوصول إلى تشكيل متوازن وتوافقي، وضمان تمثيل ملائم وواضح لأمانة الشباب داخل المكتب التنفيذي واختيار ممثليها من خلال آلية واضحة وبالتنسيق مع أعضاء الأمانة، وفتح حوار مؤسسي جاد بين جميع مكونات الحركة للوصول إلى توافق يحافظ على وحدة الحركة وقوتها وتنوعها.
أما الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أحد الأحزاب التي أعلنت تجميد عضويتها في الحركة، على خلفية الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فقد قال إنه تحمل تجاوزات وإساءات في مراحل مختلفة من أطراف سبق أن اتخذت مواقف تكتيكية مشابهة.
وأكد، في بيانه، أنه لم يطلب العودة إلى الحركة، بل أكد على الدوام أن عودته مرهونة بإعادة بناء الحركة وفق القاعدة القائلة: نعمل معًا فيما نتفق حوله، ويعمل كلٌّ منا منفردًا فيما نختلف حوله.
وشدد على “ضرورة ألا تنساق الحركة وراء من يحاول جرها إلى معارك جانبية أو إلى التراشق مع أطراف يُفترض أنها جزء من المعارضة المدنية، حتى إن اختلفت معها أو تحفظت على بعض مواقفها. وهو ما يحاول حزبنا أن يقوم به انطلاقًا من الشعار القائل: من ليس معنا، فليس بالضرورة ضدنا”.
وكانت الحركة المدنية أعلنت في بيانها تمسكها بثوابتها المتمثلة في إيمانها بالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، واحترام الدستور وسيادة القانون، ومقاومة ظاهرة الصوت الواحد وهندسة الانتخابات، ومواجهة كل أشكال التمييز الديني والعرقي والفئوي والنوعي، وصون حريات التفكير والتعبير والتنظيم والاحتجاج السلمي، ومناهضة الفساد، والنضال من أجل إطلاق سراح سجناء الرأي ورد الاعتبار للعلم كأساس لتقدم أمتنا وتحضرها.
وأكدت أنها تدافع عن حق الشعب المصري في حياة إنسانية كريمة، وتدين سياسات التجويع والتبعية الاقتصادية التي أنهكت كاهل المواطنين المصريين بكافة طبقاتهم، ونهب الثروة الوطنية، والفساد الذي أنهك الاقتصاد الوطني، والاستدانة المتصاعدة بلا توقف، وبيع المصانع والممتلكات العامة وأراضي الدولة بأبخس الأثمان. وتؤكد الحركة أن هذا الواقع البائس الذي يعيشه المصريون مرتبط عضويًا بغياب الديمقراطية وغياب الممثلين الحقيقيين عن الشعب وازدياد سياسات القهر الاجتماعي، واتساع دائرة سجناء الرأي.
وأكدت استمرارها لتكون بديلًا مدنيًا سلميًا لهذه السلطة وممارساتها، في كل الاستحقاقات الانتخابية القادمة، فهي تؤكد موقفها الرافض والقاطع لأي محاولة لتعديل الدستور.
وطالبت بتطبيق بنوده كاملة فيما يخص مطالب الشعب في التعليم والصحة وكافة الحقوق الأساسية، والتوقف عن انتهاك حريات التعبير بكل أشكالها. وتؤكد أن الانتهاك المستمر للدستور سبب رئيسي من أسباب تدهور أحوال الملايين من أبناء الشعب المصري، وتعلن الحركة أنها لن تقبل أن تستخدم أي ذريعة داخلية أو خارجية لتمرير هذا التعديل.
وبينت موقفها الثابت من قضايا الأمن القومي المصري في مواجهة سياسات الإبادة التي يمارسها العدو الصهيوني، وإدانة تهديداته المعلنة للأمن القومي المصري؛ والانشغال بالوضع الحرج في السودان الشقيق؛ والتصدي لتحديات سد النهضة الإثيوبي وإصرار أديس أبابا على الهيمنة الأحادية على مياه النيل؛ ومتابعة انعكاسات العدوان الأمريكي على إيران وتداعياته الخطيرة على أمن المنطقة ومصر.
وختمت بيانها: طريقنا هو: اعتراف صادق بالخطأ، وآليات واضحة للإصلاح، وقيادة متجددة، ونضال متصل من أجل وطن حر وديمقراطي، تسوده العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية لكل أبنائه.
في أيار/مايو الماضي، شهدت الحركة خلافاً بين مكوناتها، بعدما أصدرت بيانًا تحت عنوان “الخروج على الدستور وتجاهل أحكام القانون”، ساوت فيه بين هدم قصر رئيس حزب المحافظين أكمل قرطام وقضايا أهالي جزر الوراق والقرصاية والمقابر التاريخية.
البيان قوبل بانتقادات واسعة من أحزاب وشخصيات بارزة، رأت أن الحركة تحولت من الدفاع عن القضايا العامة إلى الانتصار لمظلمة شخصية لأحد قياداتها، ما دفع الحركة للاعتذار وسحب البيان في غضون يومين، معلنةً أنها لم تتحول يومًا إلى منصة لعرض المظالم الشخصية لقياداتها.
وأفضت الأزمة إلى انسحاب حزب “العدل” نهائيًا من الحركة، وفي اجتماعها الموسع الذي أعقب الأزمة، أقرّت الحركة إعادة هيكلة شاملة وشرعت في مناقشة ملامح المرحلة المقبلة والتصور المقترح للهيكل التنظيمي الجديد، في محاولة لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية بعد واحدة من أعمق أزماتها منذ تأسيسها عام 2017.
وقد مثلت قضية قصر قرطام نهاية سلسلة من الخلافات التي ضربت الحركة، وبدأت مع انقسام أعضائها في الخلاف الذي دب بين وزير القوى العاملة السابق كمال أبو عيطة والناشر هشام قاسم، بعد أن قرر الأخير مقاضاة الأول واتهامه بـ”السب والقذف”، ما أدى إلى صدور حكم على قاسم بالسجن أشهر.
لم يكن هذا هو الخلاف الوحيد الذي ضرب الحركة، فمع انطلاق الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تمسكت الأحزاب اليسارية والقومية بالشروط التي وضعتها الحركة للمشاركة في الحوار، فيما رفضت الأحزاب الليبرالية الانسحاب من الحوار.
وتجدد الخلاف بين الناصريين واليساريين من جهة، والليبراليين من جهة أخرى، مع انطلاق الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ففي الوقت الذي دعم فيه اليسار المعارض أحمد الطنطاوي، أعلن الحزب المصري الديمقراطي الدفع برئيسه فريد زهران، فيما دفع حزب الدستور برئيسته جميلة إسماعيل التي لم تتمكن من جمع التوكيلات المطلوبة لخوض الانتخابات، فيما خاض زهران الانتخابات بعد حصوله على تزكية عدد من أعضاء مجلس النواب.
أما الخلاف الأكبر الذي شهدته الحركة كان في انتخابات مجلس النواب الأخيرة، حيث رفع حزبا المصري الديمقراطي والعدل شعار “الحيز المتاح”، وقررا خوض الانتخابات على قوائم الموالاة، فيما أعلنت أحزاب ليبرالية أخرى تأسيس تحالف الليبراليين، فيما دشنت أحزاب اليسار والناصريين الجبهة الشعبية للعدالة الاجتماعية “حق الناس”.



