السّلاح.. وصّهْينة الآخر!

خاص المدارنت”
ما جرى في جلسة استجواب الحكومة اللبنانية على مدى يومين؛ لم يكن مجرد سجال نيابي حول أداء الحكومة ومسؤوليات القوى السياسية. فقد كشفت الجلسة، مرة أخرى، عن مشكلة أعمق في خطابنا السياسي، حين يعجز السياسي عن الإجابة عن السؤال، يتحوّل صاحب السؤال إلى مُتّهم.
اتهامات وتخوين بدل الإجابة عن الأسئلة ومناقشة الوقائع.
ولعل أكثر ما يستوقف المتابع في هذا الخطاب؛ هو سهولة تحويل الخلاف السياسي إلى تهمة بالعمالة والتخوين، وصولاً إلى «صَهْينة» كل من يجرؤ على طرح سؤال لا يعجب هذا الطرف أو ذاك.
فمتى أصبح الاختلاف في الرأي تهمة؟ ومتى أصبح الاعتراض على خيار سياسي أو عسكري دليلاً على العمالة؟
في لبنان، اعتدنا أن نواجه السؤال باتهام صاحبه، وأن نرد على النقد بالتخوين بدلاً من مناقشة مضمونه.
وهنا تحديداً أتوقف عند ظاهرة «صهينة» الآخر.
كلما انبرى صوت لبناني ليقول لـ”حزب الله”: كفى، لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً نتيجة خياراتكم، أو ليعترض على حرب الإسناد، أو على الانخراط في حروب المنطقة، أو ليطالب بأن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة، يجد نفسه أمام اتهام جاهز: “أنت صهيوني، أنت عميل، أنت حليف للصهاينة”.
لكن هل أصبح الاعتراض على قرار سياسي أو عسكري دليلاً على العمالة؟
لقد وقف اللبنانيون مع “المقاومة”، عندما كان الاحتلال “الإسرائيلي” يحتل أرضاً لبنانية. وكان تحرير الجنوب عام 2000، محطة وطنية كبيرة تجاوزت الانقسامات الطائفية والحزبية، ووقف كثير من اللبنانيّين إلى جانبها لأنها كانت قضية تحرير أرض لبنانية من احتلال “إسرائيلي”.
ولست أكتب ذلك من موقع المتفرج. كنت من أوائل الذين واجهوا الاحتلال “الإسرائيلي” في بيروت وأزقتها عام 1982، وعشت تلك المواجهة في زمنها وميدانها. لذلك فإن رفض الاحتلال ومواجهته ليسا موضع مُزايدة، كما أن الاختلاف مع خيارات سياسية أو عسكرية لاحقة لا يجعل من صاحبه صهيونياً أو عميلاً.
لكن الوقوف مع “المقاومة” في مواجهة الاحتلال؛ لا يعني منحها تفويضاً مفتوحاً إلى الأبد لتقرر وحدها متى يحارب لبنان؟ ولماذا؟ وأين؟
وهنا تبدأ الأسئلة التي لا يجوز أن تصبح محرّمة.
ماذا حدث بعد عام 2000؟
حرب 2006، ثم الانخراط في الحرب السورية، ثم حروب الإسناد، وصولاً إلى ما دفعه لبنان من أثمان بشرية واقتصادية وأمنية وسيادية.
من حق اللبناني أن يسأل عن كل ذلك.
من حقه أن يقول: هذه ليست حربنا.
ومن حقه أن يقول: لا أرى في هذه المواجهة مصلحة للبنان.
ومن حقه أن يسأل: من قرّر؟ ولماذا؟ ومن دفع الثمن؟
ومن حقه، قبل كل شيء، أن يطالب بأن يكون قرار الحرب والسلم قرار الدولة اللبنانية ومؤسساتها. فإذا كانت الدولة مسؤولة عن حماية الحجر والبشر، فماذا تركتم لها من خيارات غير التفاوض تحت النار؟ المفاوض “الإسرائيلي” يفاوض من موقع القوة، أما الدولة اللبنانية، فتفاوض من أجل حماية ما تستطيع من حجر وبشر.
أنا لا أقول إن “حزب الله” مسؤول وحده عن كل ما أصاب لبنان. فالانهيار اللبناني نتيجة عقود من الفساد؛ وسوء الإدارة والسياسات الخاطئة؛ والانقسامات؛ والتدخلات الخارجية والوصاية السورية، وكانت قوى سياسية كثيرة شريكة في إدارة النظام الذي أوصل البلد إلى ما وصل إليه.
لكن ذلك لا يعفي أي طرف من مسؤولية خياراته.
كما يحق للبناني، أن يسأل “التيار الوطني الحر” (التيار العوني) عن الكهرباء ومسؤوليته السياسية، خلال سنوات مشاركته في الحكم، يحق له أيضاً أن يسأل “حزب الله” عن خياراته العسكرية والسياسية، وعن الحروب التي انخرط فيها، وعن الكلفة التي تحملها لبنان نتيجة هذه الخيارات.

المساءلة لا تتجزأ.
لا يمكن أن نطالب بها عندما تكون في مصلحة فريق، ثم نعتبرها استهدافاً عندما تطال فريقاً آخر.
المشكلة ليست في أن يختلف اللبنانيون. فهذا طبيعي في بلد متعدد مثل لبنان.
المشكلة تبدأ حين يصبح الاختلاف سبباً لإلغاء الآخر، وحين تتحول الوطنية إلى ملكية حصرية، ويصبح كل من يختلف معك مطالباً بإثبات أنه ليس عميلاً ولا صهيونياً ولا خائناً.
يمكن للبناني أن يرفض “إسرائيل”، وأن يرفض في الوقت نفسه أن يتحول لبنان إلى ساحة مفتوحة للحروب الإقليمية.
يمكنه أن يؤيد تحرير الأرض، ثم يقول بعد التحرير: حان وقت الدولة.
يمكنه أن يؤيد المقاومة في مرحلة، ثم يختلف معها في مرحلة أخرى.
ويمكنه أن يقول لـ”حزب الله”: وقفنا معكم عندما كان الاحتلال على أرضنا، أما اليوم فنحن نسألكم عن لبنان.
هذه ليست خيانة.
هذا حق المواطن.
والوطنية ليست بطاقة حزبية، ولا شهادة تمنحها جماعة سياسية لمن تؤيدهم وتسحبها ممن يعارضونها.
ناقش الفكرة.
خالفني.
أثبت أنني مخطئ.
هات حجتك ووقائعك.
لكن لا تلغني باتهامي بالعمالة أو الصهينة.
لأنك عندما تفعل ذلك لا تنتصر على رأيي، بل تهرب من مواجهته.
والسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً هو:
من يقرر الحرب والسلم في لبنان؟ ومن يتحمل مسؤولية القرار؟ ومن يدفع الثمن؟
هذه ليست أسئلة صهيونية.
هذه أسئلة لبنانية.
فالاختلاف ليس صهينة، والسؤال ليس عمالة، والاعتراض ليس خيانة.



