الفلسطينيّون و”جسر اللنبي”.. رحلة آلام وسلب كرامة وانجراف اقتصادي: “لا أب لنا”!

“المدارنت”
أليس هناك موضوع آخر للكتابة عنه إلا “جسر اللنبي” (جسر الكرامة)، خاصة الآن، في ظل ما تشهده الضفة الغربية من تدهور؟ نعم، يجب إعادة النظر في جسر اللنبي الحدودي الدولي، لأن السفر إلى الخارج والعودة إلى الضفة الغربية ما زال ضرورة حيوية وطبيعية وملحة لمئات آلاف الفلسطينيين سنوياً، ولأن المحكمة العليا ستنظر غداً في التماس يطالب بجعل ساعات العمل فيه مشابهة لأي معبر حدودي آخر، لا سيما أنه المعبر الوحيد المتاح أمام الفلسطينيين. ومن المثير للاهتمام أيضاً هوية مقدمي الالتماس: رجال أعمال قرروا التحرك في قضية تهم الشعب الفلسطيني كله، وليس مصالحهم الشخصية فقط.
يجب الكتابة عن هذا المعبر حتى في ظل اشتعال الضفة الغربية، لأن الجهة التي تشغله هي سلطة المطارات الإسرائيلية، التي قلصت ساعات العمل فيه لأسباب أمنية مختلفة. فلا يسمح للمسافرين بدخول قاعة المعبر إلا بين الساعة الثامنة صباحاً والواحدة والنصف ظهراً. وتتولى فرق الأمن (المراقبون على الحدود والجمارك وما شابه) أمر من حالفهم الحظ بالدخول، ويتم إغلاق المعبر السبت، بعد أن كان مفتوحاً حتى منتصف الليل أو الساعة العاشرة مساء. ويحد تقليص ساعات العمل من عدد القادمين والمغادرين كل يوم، ما يسبب ازدحاماً شديداً في الخارج ووقت انتظار متعب. وقد شجع هذا الازدحام والانتظار على تجارة ابتزاز الأموال من المسافرين.
ومع ضعف السلطة الفلسطينية وم.ت.ف سياسياً واقتصادياً، وتراجع مكانتها إلى المستوى الأدنى، يظهر دور القطاع الخاص. “نحن كفلسطينيين لا أب لنا الآن “، هكذا عبر نصار نصار، وهو صاحب المحاجر في الضفة الغربية والأردن وسلطنة عمان، ببساطة. “بسبب ذلك، تبنينا هذه المشكلة”. مشكلة معبر حدودي دولي تحول إلى رحلة آلام.
لم يرث نصار أعماله، بل بناها بنفسه. يعيش في بيت في بيت جالا، ولكنه ولد في العام 1961 في يطا. وحسب شهادته، تعلم حتى الصف السادس، ثم عمل مع والده عاملاً في أحد المحاجر، وهكذا تعلم معرفة المواد والأسواق والمستهلكين. ويقول إنه يصدر الآن الحجارة والرخام إلى 76 دولة. وهو رئيس مجلس تنسيق قطاع الأعمال الفلسطيني. وبمبادرة منه، قدم المجلس التماس للمحكمة العليا لفتح المعبر 24 ساعة، أو على الأقل مثلما كان في السابق.
ورغم أن جسر اللنبي، جسر الكرامة، يشمل قسماً لعبور البضائع، لكن الالتماس الذي قدمه المحامي شلومو مناحيم من مكتب “بيت شيمش” للمحاماة، لا يركز على العقبات التي تعترض التصدير الفلسطيني. كان القطاع التجاري الفلسطيني يعتمد بشكل كبير بعد اتفاق أوسلو على توسيع النشاطات الإنتاجية وتسويق المنتجات للخارج، لا سيما من الحدود الشرقية. يقول نصار:
“أسواقنا الطبيعية في دول عربية مختلفة، ولكن طلب لدول تراجع بشكل كبير مع مرور السنين لأن الشحنات كانت تتأخر في كل مرة لأسباب خارجة عن إرادة المنتجين”. قبل حرب غزة، لم تكن تغادر جسر اللنبي كل يوم إلا 30 شاحنة محملة بالمنتجات الفلسطينية، بينما كان يدخل من الأردن 500 شاحنة محملة بالبضائع المستوردة. وحتى مع ذلك، كان الفرق يظهر تبدد الآمال. وحسب نصار، هناك الآن 13 شاحنة فقط تصدر المنتجات و200 شاحنة تستورد البضائع.
إذا كان الوضع قابلاً للإصلاح فسيستغرق هذا عدة سنوات. لذلك، ما يثير القلق في الوقت الحالي هو حركة المسافرين من وإلى الضفة الغربية. ولا يتحدث نصار عن نفسه؛ فهو ينتمي لشريحة ضيقة جداً من رجال الأعمال غير المرتبطين بجسر اللنبي. ولكن عندما يتحدث عن هذه الصناعة – الابتزاز الذي تفشى – يغضب وكأنه تضرر هو شخصياً منها.
ويقول نصار إن التعريف الساخر لهذه الصناعة هو “خدمة كبار الشخصيات”، ولا وجود لكبار الشخصيات فيها إلا بالاسم. ثلاث شركات مجهولة – واحدة بملكية شخص أردني، والثانية بملكية فلسطيني، والثانية بملكية إسرائيلي – تقدم ثلاثة أنواع من الخدمة، ولا فرق كبيراً بينها إلا في الأسعار – 120، 138 و180 دولاراً، هذا إضافة إلى رسوم السفر الثابتة التي تبلغ 178 شيكلاً. وغير معروف إذا كانت هذه الشركات تنسق فيما بينها وكيف. ومع تقليص ساعات العمل، زادت شهيتها وظهر المزيد من المقاولين الفرعيين بحثاً عن الزبائن، وازدادت سيارات الأجرة التابعة لها.
من يدفعون يتجاوزون طابور الناس العاديين الذين يجبرون على التجمع لساعات، وأحياناً يبيتون خارج المجمع. يحصل من يدفعون على معاملة أسرع في المعبر، ويقطعون مسافة 2 كم بين القاعتين في سيارة أجرة منفصلة. في المقابل، ينظر إليهم الناس من الحافلات العادية التي تجبر على التوقف والانتظار لساعات طويلة في منتصف الطريق القصيرة، حسب تعليمات أفراد الأمن الإسرائيليين. مستخدمو خدمة كبار الشخصيات ليسوا من كبار الشخصيات، بل هم أشخاص عاديون تماماً، لكن رحلتهم ضرورية جداً لسبب ما. وهكذا قد تصل تكلفة رحلة لعائلة تتكون من ستة أفراد إلى ألف دولار في مسافة 71 كم فقط.
ويقول المحامي مناحيم في الالتماس الذي قدمه: “مثلما هي الحال في أي مكان يعاني من نقص العرض وارتفاع الطلب، يعرض أصحاب المصالح ومن لديهم مصلحة اقتصادية واضحة، سد هذه الفجوة بأسعار باهظة تفرض على الركاب. الوضع الحالي غير قانوني ولا يفيد أي أحد، بل يسبب أيضاً إحباطاً كبيراً في أوساط السكان ويفاقم الوضع الذي هو صعب أصلاً”.



