القصيفي: يوم قال شهاب عن الراحل إده “هالشاب حرزان ومثقف كبير”

كتب جوزف القصيفي*…
لم يكن في استطاعته حضور الاستقبال الذي دعت إليه نقابة “محرري الصحافة اللبنانية” (الصحافيين)، لمناسبة انتخاب مجلس جديد لها في السادس من كانون الأول 2018، واتصل بي مهنئا، وقال إنه يرغب في رؤيتي لأن صحته لم تعد تسمح له بزيارتي وزملائي، لبّيت دعوته وزرته في منزله باليرزة، وكانت آخر زيارة له بعدما ساءت صحته، وأصبح مُقِلا في اطلالته.
يومها أخبرني، في حضور الصديق البروفسور خليل كرم، كيف تصدى للشعبة الثانية في عهد الرئيس شارل حلو، خصوصا، عندما طلبَت منه محاسبة النقيب الراحل ملحم كرم ومضايقته. لم يرتض أن يملي عليه – كما قال – الضباط جان أسعد ناصيف، سامي الخطيب، وكابي لحود، ما ينبغي عليه أن يفعل في وزارة الإعلام.
أضاف: إن ثمة من حاول تشويه صورته لدى الرئيس الراحل فؤاد شهاب. ولكن بعد لقاء مطول مع الرئيس اللواء في مصيفه الكسرواني عجلتون، أسر الأخير أمام القريبين منه: “هالشب حرزان ومثقف كبير”. وقال ضاحكا: سرت هذه الكلمة في اوساط “الشباب”، وهي التسمية التي كان يطلقها شهاب على أعوانه سريان النار في الهشيم، فبدأوا يزورونه باستمرار، وفي ظنهم أنه أعطى الضؤ الأخضر لخلافة الرئيس حلو. لكنه ‐ على ما اكد ‐ لم يكن في وارد دخول السباق الرئاسي في حينه. أخبر ذلك، وهو يضحك. لافتا إلى ان الحرية في قاموسه هي قدره، وهي خارطة الطريق التي لازمته طوال حياته.
وتابع إده: إنه احتمل هجوما مبرمجا في بداياته كوزير من قبل بعض الدوائر والاجهزة، لأنه كان رافضا لأن يكون واجهة أو واسطة لكمّ افواه الصحافيين المعارضين، وحفلت بعض الصحف المخترقة من هذه الأجهزة، باخبار لفقت ضده. لكنه لم يأبه لها، ولم يرد أو يعاتب، أو يسعى الى التضييق. فالكل حرّ في ما يفكر أو يكتب، تاركا لسلوكه وعمله أن يتحدثا عنه.
يقول: “قالوا عني اني الوزير الاحمر، وأني اشتراكي الهوى، وصديق الشيوعيين واليساريين. نعم لي صداقات كثيرة في اوساط هؤلاء، وكنت احاورهم باستمرار مبديا رأيي فيهم وبمعتقداتهم. وكنت اناقشهم فيها، من دون محاباة أو التخلي عن قناعاتي”.
وحدثني عن والد زوجتي المرحوم جورج مسكاوي الذي سبقه إلى دار الخلود، وهو كان رفيق الدراسة الثانوية والجامعية. وعن ذكريات كثيرة ترقى إلى الزمن الجميل.
هذا الكنز المعرفي صاحب الحضور الإنساني الكثيف، المنحاز إلى المستضعفين والمهمشين، أحب لبنان حبا عظيما، وتعبد له بعد الله، ورأى فيه كما كان يقول موريس الجميل: الوطن المسكوني الذي يحتوي على غنى الإنسانية النوعي، مضى إلى خالقه تغمره ابتسامة رضية، تعكس ما كان في قلبه من نقاء، وفي روحه من صفاء، بعدما خط سطور حياته بمداد العطاء.
في البومي الكثير من الصور التي تجمعني به، وهذه الصورة التي التقطها لي معه البروفسور كرم، قبل ما يقارب السنة، هي أغلى ما احتفظ به. ليس قليلاً أن تكون صديقاً لهذا الرجل الاستثنائي. رحمة الله عليه.
* نقيب “محرري الصحافة اللبنانية” (الصحافيين).



