مقالات

القيَم قبل السُلطة نحو دولة يحميها العدل لا الخوف ومجتمع تحكمه الوطنية لا الطائفية.. الجزء (7/ 8)

د. حسين ديب/ لبنان

خاص “المدارنت”

وثيقة فكرية مجتمعية في الإنسان والحرية والعدل والمواطنة والدولة

الفصل الثاني عشر: بناء المواطنة/ المساران المتوازيان
(الدولة والمجتمع المدني)

المواطنة مشروع بناء لا قرار إداري
تؤكد هذه الوثيقة أن المواطنة لا تُبنى بمرسوم، ولا تُفرض بقانون وحده، ولا تتحقق بشعار سياسي، بل هي مسار طويل من التراكم الثقافي، والتربوي، والمؤسسي، والسلوكي. فالمواطنة وعيٌ قبل أن تكون نصًّا، وممارسةٌ قبل أن تكون هوية، ومسؤوليةٌ قبل أن تكون حقًّا.
ولهذا، فإن بناء المواطنة لا يمكن أن يكون نتاج جهة واحدة، بل هو حصيلة مسارين متوازيين ومتفاعلين: مسار تقوده الدولة، ومسار يقوده المجتمع المدني.

مسار الدولة: من الرعاية إلى التمكين
يقع على عاتق الدولة الدور الأساسي في بناء الإطار المؤسسي للمواطنة عبر:
ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، حماية الحريات العامة، ضمان عدالة الفرص،
تحييد الطائفة والمال عن الإدارة العامة، وبناء مؤسسات تقوم على الكفاءة لا الولاء. فالدولة لا تُبني المواطن عبر القهر، بل عبر:
تعليم عادل، وقضاء مستقل، وإدارة نزيهة، وخدمات عامة غير تمييزية.
وعندما يشعر الفرد أن الدولة تحميه بصفته مواطنًا لا تابعًا، تتكوّن لديه تلقائيًا رابطة الانتماء الوطني.

الدولة كحاضنة للتعدّدية لا كأداة صهر
ترى هذه الوثيقة أن الدولة العادلة لا تُلغي التعدّدية، بل تحتضنها وتحميها ضمن إطار جامع. فالتنوّع الديني والثقافي ليس تهديدًا للمواطنة، بل يتحوّل إلى ثراء حين: تُحترم الخصوصيات، وتُحمى الحريات، ويُضبط المجال العام بالقانون وحده.
أما محاولة صهر المجتمع في نموذج واحد بالقوة، فتنتهي دائمًا إلى الانقسام أو الانفجار.

مسار المجتمع المدني: من المبادرة إلى التأثير
في مقابل دور الدولة، يحمل المجتمع المدني مسؤولية موازية لا تقل أهمية، تتمثل في: نشر ثقافة المواطنة، تدريب الأفراد على العمل العام، تعزيز ثقافة الحقوق والواجبات، تنظيم المبادرات التطوعية، بناء شبكات التضامن العابر للطوائف والعصبيات. والمجتمع المدني هو المدرسة الأولى التي يتعلّم فيها المواطن: العمل الجماعي، الاختلاف من دون خصومة، والمطالبة بالحق من دون الوقوع في العنف.

التربية والتعليم كجسر بين المسارين
تضع هذه الوثيقة التربية والتعليم في قلب مشروع بناء المواطنة، بوصفهما: الحلقة التي تلتقي فيها الدولة بالمجتمع، والمساحة التي يُصاغ فيها وعي الأجيال القادمة. فالمناهج التعليمية لا يجب أن تُنتج فقط موظفين وأطباء ومهندسين، بل يجب أن تُنتج: مواطنين أحرارًا، ناقدين، مؤمنين بالعدل، رافضين للتمييز والطائفية والعصبيات. ومن دون ثورة تربوية قيمية، تبقى المواطنة مشروعًا هشًّا ومعرّضًا للارتداد.

الإعلام كقناة تكامل لا استقطاب
ترى هذه الوثيقة أن الإعلام هو أحد أهم أدوات بناء المواطنة أو هدمها. فالإعلام الحرّ المسؤول: يفضح الفساد، يرفع الوعي، يوازن بين النقد وحماية السلم الأهلي، ويسهم في بناء رأي عام قائم على المعرفة لا على التحريض.
أما الإعلام الطائفي أو المأجور، فهو أخطر معوّقات المواطنة، لأنه: يعمّق الانقسام، ويعيد إنتاج الخوف، ويُنشيء مواطنًا منقسم الولاء لا منتميًا للوطن.

تكامل لا تنازع بين المسارين
تؤكد هذه الوثيقة أن مسار الدولة ومسار المجتمع المدني: ليسا متنافسين،
ولا متخاصمين، بل متكاملان بالضرورة.
فالدولة بلا مجتمع مدني تتحوّل إلى سلطة مغلقة،
والمجتمع المدني بلا دولة قوية وعادلة يتحوّل إلى مبادرات معزولة هشّة.
وعندما يختلّ هذا التوازن، يضعف مشروع المواطنة وتعود العصبيات لتملأ الفراغ.

خلاصة الفصل
إن بناء المواطنة ليس مشروع حكومة، ولا برنامج حزب، ولا مهمة مؤقتة، بل هو مشروع أمة بأكملها. تقوم الدولة فيه بدورها في إرساء الإطار العادل، ويقوم المجتمع المدني بدوره في نشر الوعي وتنظيم المبادرة، وتقوم التربية والإعلام بدور الجسر بين المسارين.
وحين يلتقي هذان المساران على قاعدة القيم، تتحوّل المواطنة من شعار سياسي إلى واقع يومي يحمي المجتمع من التفكك، والدولة من الانهيار.

الفصل الثالث عشر: الدين، التعدّد، والعيش المشترك
التعدّد حقيقة إنسانية لا استثناء تاريخيًا
تنطلق هذه الوثيقة من الإقرار بأن التعدّد الديني والثقافي سنّة إنسانية ثابتة في التاريخ، وليس حادثة عابرة أو خللًا اجتماعيًا. فالمجتمعات لم تكن يومًا متجانسة بالكامل، بل قامت دائمًا على اختلاف القناعات، وتنوّع المعتقدات، وتعدّد التجارب الإنسانية. ومحاولة إلغاء هذا التعدّد بالقوة لم تؤدِّ في أي عصر إلى وحدة حقيقية، بل إلى قمعٍ مؤقّت يعقبه انفجار أشدّ عنفًا.
والعيش المشترك لا يعني ذوبان الخصوصيات، بل يعني الاعتراف المتبادل بها ضمن إطار جامع يحفظ الحقوق والكرامة للجميع.

“لكم دينكم ولي دين”: أساس الحرية الدينية
تؤكد هذه الوثيقة أن الحرية الدينية ليست مِنّة من الدولة ولا من المجتمع، بل حقّ أصيل من حقوق الإنسان. ويشكّل مبدأ: “لكم دينكم ولي دين”، قاعدة أخلاقية وتشريعية لتنظيم العلاقة بين المختلفين في المعتقد، على أساس: حرية الإيمان، وحرية الاختلاف، ورفض الإكراه.
ولا يتحقّق الإيمان بالإجبار، ولا تُبنى المجتمعات بالقسر، بل بالاحترام الاختياري المتبادل.

الدين في المجال العام: من التوظيف إلى الإلهام
تفرّق هذه الوثيقة بين: الدين بوصفه مصدرًا للإلهام القيمي في المجال العام، والدين بوصفه أداة صراع سياسي أو إقصاء اجتماعي. فحين يُستحضر الدين ليحرّك الضمير نحو العدل، والرحمة، والصدق، يخدم المجتمع بأسره. أما حين يُستَخدم لتخوين الناس، أو لشرعنة العنف، أو لاحتكار الحقيقة، فإنه يتحوّل إلى عنصر انقسامٍ بدل أن يكون عنصر توحيد.

المواطنة كإطار جامع فوق الانتماءات
ترى هذه الوثيقة أن المواطنة هي الإطار القانوني الوحيد القادر على تنظيم التعدّد دون انفجار. فالدولة لا تحكم الناس بوصفهم: مسلمين، أو مسيحيين، أو أتباع أي دين آخر، بل بوصفهم مواطنين متساوين أمام القانون.
وحين تتقدّم المواطنة على الانتماءات الفرعية، يتحوّل الاختلاف من تهديد إلى تنوّع صحي، وتُصبح الدولة مرجعية عادلة لا طرفًا في الصراع.

رفض منطق الغلبة الدينية
تؤكد هذه الوثيقة رفضها القاطع لمنطق: “الدين الغالب”، و“الطائفة الأقوى”، و“المذهب السائد”، في إدارة الدولة وشؤون المجتمع. فالغلبة تُنتج ظلمًا مؤجلًا، والهيمنة تُنتج ردّ فعلٍ عنيفًا، والاحتكار يُدمّر الثقة الوطنية.
والدولة العادلة لا تُبنى بمنطق الغَلَبة، بل بمنطق: التوازن، والضمانات، وحماية الحقوق للجميع.

العيش المشترك بوصفه مشروعًا يوميًا
لا ترى هذه الوثيقة في العيش المشترك مفهومًا نظريًا يُكتَب في الدساتير فقط، بل سلوكًا يوميًا يُمارَس في الشارع، والمدرسة، والعمل، والإعلام، والقضاء، والإدارة العامة.
ويتحقّق العيش المشترك حين: تُحترم الكرامة الإنسانية، ويُمنَع التحريض، ويُكافَح خطاب الكراهية، ويُحاسَب من يستثمر في الانقسام. أما الاكتفاء بالشعارات دون سياسات عملية تحمي التنوّع، فيُبقي الحياة المشتركة هشّة وقابلة للانهيار.

دور المؤسسات الدينية في ترسيخ العيش المشترك
ترى هذه الوثيقة أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق المؤسسات الدينية في:
خفض منسوب التوتّر، ونزع فتيل الفتنة، وتجفيف منابع التكفير والتخوين، وترسيخ ثقافة التعارف والتعاون.
فالدين الذي يُربّي الإنسان على الرحمة والتعارف أقرب إلى مقاصده من الدين الذي يُربّيه على الخوف والصدام.

من إدارة التعدّد إلى تحويله إلى طاقة إيجابية
تؤكد هذه الوثيقة أن التعدّد لا ينبغي أن يُدار فقط لمنع الصدام، بل يجب أن: يُستثمر في الإبداع، ويُحوَّل إلى رافعة ثقافية وحضارية، ويُستخدم لتعزيز الحوار والتبادل والخبرة.
فأغنى الحضارات في التاريخ كانت تلك التي استطاعت أن تحوّل اختلاف أبنائها إلى مصدر قوّة لا إلى سبب للتمزّق.

خلاصة الفصل
إن هذا الفصل يؤسّس لفهم متوازن للدين والتعدّد والعيش المشترك، يقوم على:
حرية الاعتقاد، وتحييد الدولة دينيًا، وتقديم المواطنة على الطائفة، ورفض الإقصاء والغلبة، وجعل العيش المشترك مشروعًا حيًّا يوميًا لا مجرّد شعار. فالدولة التي تفشل في إدارة التعدّد بعدل، تفشل في حماية نفسها من الداخل، مهما بلغت قوتها.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى