“المشروع الإبراهيمي”.. هندسة وعي المنطقة على مقاس الاحتلال! (3-3)

خاص “المدارنت”
أحلاهما مر: غياب المشروع العربي
الجزء الثالث من ثلاثية “الممانعة والتطبيع وتحرير الوعي”
في زمنٍ تتقاطع فيه المشاريع فوق الأرض العربية، من دون أن ينبع واحدٌ منها من تربتها، تبدو الساحة خالية من الفعل العربي، إلا بما يخدم الآخر. “المشروع الإبراهيمي”، ينسج منظومة تطبيع دينية/ ثقافية ناعمة، تفرغ الوعي من معناه، ومحور الممانعة، يخوض حروبه بالوكالة تحت رايات مذهبية لا تحررية. في هذا المناخ المتصادم، يطفو سؤال غائب: أين هو المشروع العربي؟
لم يغب المشروع العربي فجأة. لقد تآكل على مراحل، تقهقر من شعارات كبرى إلى حدود سايكس/ بيكو، ثم إلى قُطريات عاجزة، ثم إلى كيانات رخوة تتنازعها الولاءات. كان في زمنٍ ما مشروعاً نهضوياً عروبياً، جسّدته لحظة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بما لها وما عليها، وكان في لحظةٍ أخرى طيفاً يقاوم النكبة ويؤسس لثورات تحرر. لكن ما إن سقط الحلم القومي، حتى انفردت الأنظمة القُطرية بكل دولة، تدير أزماتها الداخلية وتستورد الأمن من الخارج.
الأخطر أن غياب المشروع العربي لم يكن غياباً بالصمت، بل استُبدل بمشاريع الآخرين: المشروع الإيراني الزاحف عبر الطوائف، المشروع التركي المستتر بثوب العثمانية الجديدة، المشروع الصهيوني الذي لم ينكفئ، بل تمدد في زمن الوهن العربي، وكلها مشاريع تتنافس فوق أرضٍ بلا صاحب فعلي.
من القومية إلى القُطرية إلى الفوضى
“سقطت” فكرة القومية العربية، التي جمعت أمةً وامتداداً جغرافياً، أمام الحواجز الطائفية والقبلية، وأمام أنظمةٍ خانت الحلم أو جرّدت الشعوب من حريتها. كل دولة أوطأت قدمها على أرضها ككيان مستقل، لكنها لم تستطع أن تبني مشروعاً يتجاوز حدودها، بل انحصرت في سلطوية “زعيم” أكثر منه رؤية مجتمعية مؤسسية.
هذا الفراغ استُغلته قوى الداخل والخارج لتصدير الصراعات، وتشتيت الجهود، وتحويل الصراع إلى نزاعات داخلية لا تنتهي، تغذيها أجندات خارجية، فباتت المنطقة مسرحًا لفوضى عميقة.
الثورات العربية.. لحظة الأمل المجهضة
حين اندلعت الثورات العربية، ظنّ كثيرون أن المشروع العربي سيُبعث من رماده. بدا وكأن شعوب المنطقة استعادت حقها في الفعل، وكسرت حاجز الخوف، وصرخت بالحرية والعدالة والكرامة. لكن سرعان ما تداخلت العوامل الدولية والمحلية لإجهاض هذا المسار، فانتهى المطاف إما بعودة الاستبداد، أو بخراب أهلي، أو بتحويل الثورة إلى منصة لتقاسم النفوذ بين المحاور.
سوريا، ليبيا، السودان ،اليمن… كلها تحوّلت إلى ساحات تصفية حسابات، تقاتلت فيها المشاريع الإقليمية فوق أنقاض فكرة الدولة الوطنية. وتشظّت المجتمعات، وتهاوت البنى التحتية، وتمّت تصفية الجيوش والمؤسسات، واستُبدلت بميليشيات، أو بحكم هشّ يُدار من الخارج.
المشروع العربي.. ملامح غائبة وضرورة مُلحّة
المفارقة أن العرب، رغم الغنى السكاني والثقافي والموارد الطبيعية والموقع الجغرافي، لا يملكون اليوم مشروعاً جامعاً يُعبّر عنهم. لا مشروع اقتصادي تكاملي، لا رؤية سياسية مستقلة، لا حتى رواية موحدة عن هويتهم ومصيرهم.
لكن الحاجة إلى مشروع عربي ليست ترفاً فكرياً. إنها شرطٌ للوجود السياسي الفاعل. فلا يمكن مواجهة “المشروع الإبراهيمي”، ولا محور الممانعة، ولا حتى الانهيارات الداخلية، من دون بناء وعي عربي جامع، يتجاوز الطائفية، ويتخطى القُطرية، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد.
هذا المشروع لا يُبنى على أنقاض الآخرين، بل على أساس الإنسان العربي: كرامته، حريته، مواطنته. يبدأ من الوعي، ويُحصّن بالعدالة، ويُدار بالمؤسسات، ويُراقب بالحرية، ويُترجم إلى تنمية شاملة.
نحو خارطة طريق
لا يمكن التفكير بمشروع عربي جديد دون مرتكزات واضحة:
• التحرر من التبعية: سواء كانت تبعية للمحاور الخارجية أو لأنظمة وظيفية تُدار من الخارج.
• الديموقراطية والعدالة: لا مشروع بلا حرية، ولا حرية بلا مساءلة ومشاركة شعبية حقيقية.
• تحصين الوعي: عبر الإعلام والتربية والثقافة، لاستعادة البوصلة، ولرفض التوظيف الطائفي والديني.
• التحرر من الشعارية: فلا يكفي رفع رايات فلسطين أو القومية، إن لم تكن مشفوعة بفعل مؤسسي، ورؤية قابلة للتطبيق.
خاتمة: أحلاهما مرّ
بين مشروع “الممانعة” الذي استهلك القضية في صراع مذهبي، ومشروع “التطبيع” الذي يدمج العدو في نسيج المنطقة، يقف المواطن العربي محرومًا من الخيار الثالث.
“أحلاهما مر”… لأن الخيارين المطروحين اليوم لا يمثلان طموحات الشعوب، ولا يُعبّران عن جوهر الصراع.
الرهان إذاً على وعي جديد، ومشروع ثالث لم يولد بعد.. لكن علامات المخاض تلوح في الأفق، وكل كتابة، وكل مقاومة فكرية، وكل محاولة لتسمية الأشياء بأسمائها، هي خطوة على هذا الطريق الطويل.
من ثلاثية التشخيص إلى بداية المشروع
تشكل هذه الثلاثية – من تفكيك المشروع الإبراهيمي، إلى نقد محور الممانعة، وصولاً إلى غياب المشروع العربي – محاولةً أولية لفهم اللحظة التاريخية الراهنة لا من زاوية الاصطفافات، بل من موقع الحاجة إلى رؤية.
ما قدّمه هذا الجهد ليس مشروعًا بحد ذاته، بل تمهيدًا فكريًا لتحرير الأسئلة من سطوة الشعارات، وتوسيع أفق الوعي نحو بدائل لم تولد بعد.
ربما آن الأوان لأن تتحوّل هذه الثلاثية إلى ورقة بحثية أوسع، أو مبادرة حوارية فكرية، تنطلق من السؤال المركزي:
كيف يمكن إعادة بناء مشروع عربي تحرري جامع، ينطلق من الإنسان ويعود إليه.



