مقالات

“المشروع الإبراهيمي”.. هندسة وعي المنطقة على مقاس الاحتلال! (2-3)

معتز فخر الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”

بين نارين: المشروع الإبراهيمي والممانعة
الجزء الثاني من ثلاثية “الممانعة والتطبيع وتحرير الوعي”

في الزمن العربي المنهك، تتداخل مشاريع السيطرة مع أوهام التحرر، ويتقاطع التبشير بالتطبيع مع خطاب المقاومة، فيما تغيب بوصلة الحقيقة عن الوعي الشعبي الممزق بين مشروعين يبدوان متناقضين، لكنهما في العمق يشتركان في تغييبه عن المشهد.
المشروع الإبراهيمي، من جهة، يطلّ برأس ناعم، يحمل شعارات التسامح والتقارب بين الأديان، لكنه يخبّئ في جوهره هندسة وعي جديد يُلغي فلسطين كقضية مركزية، ويُبيّض صفحة الاحتلال، ويُعيد تشكيل المنطقة بما يخدم دمج “إسرائيل” في نسيجها السياسي والثقافي والديني.
ومحور “الممانعة”، من جهة مقابلة، يبدو وكأنه الحصن الأخير للمقاومة، لكنه تحوّل في الكثير من الأحيان إلى أداة طائفية وظيفية تُدير صراعاتها في الإقليم لا من أجل فلسطين، بل من أجل توسعات جيوسياسية ومذهبية.
في هذا المقال، لا نعيد تكرار الاتهامات، بل نطرح أسئلة مؤجلة:
هل ما تزال فلسطين هي البوصلة؟ أم أنها صارت أداة في يد المتصارعين؟
من الذي يملك مشروعاً تحررياً حقيقياً؟ ومن الذي اختطف الخطاب، واختزل القضية في شعار؟

المشروع الإبراهيمي.. احتلال ناعم بلغة الدين
منذ اتفاقيات إبراهام، تحوّل التطبيع من فعل سياسي إلى مشروع ثقافي/ ديني متكامل. ليس الهدف فقط إقامة علاقات مع “إسرائيل”، بل تغيير وعي الأجيال الجديدة تجاه فكرة العدو، وتحويل الدين إلى مدخل لإعادة هيكلة الانتماء الجمعي.
بيت العائلة الإبراهيمية، المناهج التربوية الجديدة، الفنون العابرة للرموز الوطنية.. كلها، ليست مجرد تفاصيل، بل معاوِل تُضرب بها الجذور الثقافية للعروبة والإسلام والتحرر.

محور الممانعة.. خطاب المقاومة وخريطة المصالح
في المقابل، يقف ما يُعرف بمحور الممانعة، الممتد من إيران إلى لبنان فالعراق وسوريا، مدعياً الدفاع عن فلسطين. لكنه فعلياً تحوّل إلى مشروع نفوذ إقليمي، يُقاتل في اليمن وسوريا ولبنان والعراق أكثر مما يواجه “إسرائيل”.
سوريا، التي كانت قلب هذا المحور، انهارت بنيوياً. والنظام الذي خرج من الحرب ليس ذاته الذي دخلها، بل نظام جديد يحاول ترميم الداخل بصمت، من دون أن يحمل مشروعاً تحررياً واضحاً، وقد خرج فعلياً من مركزية الصراع.
أما العراق، فبات قراره موزعاً بين طوائف وميليشيات تدين بالولاء لطهران، أكثر مما تملك قراراً وطنياً جامعاً.
وهكذا، فإن محور الممانعة، رغم رفعه لراية فلسطين، صار في نظر كثيرين مشروعاً مذهبيًا لا تحررياً.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما جرى على جبهة الجنوب اللبناني. فمنذ حرب تموز 2006، بقيت هذه الجبهة ساكنة طيلة ما يقارب عقدين، رغم كل ما شهده الإقليم من تطورات كبرى، حتى اندلاع “حرب الإسناد” مؤخراً. وقد جاء هذا التحرك العسكري بعد فشل مفاوضات فيينا حول النووي الإيراني، ما يعزز الانطباع بأن قرار الاشتباك ليس مرتبطاً بتحرير فلسطين، بل بمصالح تفاوضية إيرانية، تُفعّل أدواتها الإقليمية عند الحاجة وتُبقيها في حالة كمون متى دعت الضرورة.

بين مشروعين.. بلا مشروع
هنا المأساة: شعوب المنطقة عالقة بين مشروع إبراهيمي ناعم يُفرغ الوعي، وممانعة خشنة تُفرغ الفعل من معناه.
الثورات التي اندلعت في عدد من البلدان العربية، والتي كان يمكن أن تشكل لحظة تحوّل تحرري، تم سحقها أو اختطافها، وأدّى ذلك إلى تشظّي المجتمعات، وتدمير البنى الاجتماعية والعمرانية والعسكرية، بخاصة في ليبيا وسوريا واليمن.
الحصيلة: لا تطبيع يُنقذ، ولا ممانعة تُحرر.

الخاتمة.. حاجة إلى مشروع ثالث
ما نحتاجه اليوم، ليس إعادة تدوير الخطابات القديمة، بل إنتاج مشروع ثالث، تحرري، عروبي، لا طائفي ولا وظيفي، ينطلق من الإنسان وكرامته، ومن فلسطين كبوصلة لا كشعار.
مشروع لا يُعادي الدين، لكنه يحرره من التوظيف السياسي. ولا يُعادي المقاومة، لكنه يُعيد ضبط بوصلتها نحو التحرير لا الاستعراض.
فلسطين لا تزال تختصر كل التناقضات، لكنها لم تعد في قلب المشاريع القائمة. المطلوب اليوم أن نستعيدها من الجميع، ونضعها في قلب وعي جديد.
الوعي هو ساحة المعركة… ومن لا يملك مشروعاً لتحرير الوعي، سيظل أداة في مشاريع الآخرين.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى