“بير الحمام”.. استهداف معادي للأرض الفلسطينية في النقب بالمصادرة والتحريش
“المدارنت”
لا تقتصر جرائم السلب والنهب للأرض الفلسطينية على الضفة الغربية، بل تستمر وتتصاعد في صحراء النقب، داخل أراضي الـ48 من خلال عمليات هدم البيوت والمباني بالجملة، وزارعة الأشجار الحرجية في الأراضي العربية تمهيدا للسيطرة عليها.
وتنادت فعاليات سياسية وأهلية في النقب للتظاهر اليوم الخميس تصديا لعملية تحريش أراضي قرية دير الحمام غير المعترف بها من قبل جهات إسرائيلية رسمية. وشهدت القرية اجتماعا شعبيا على إثر عمليات تجريف تمهيدا للتحريش. ومن هناك، قال عضو الكنيست عن القائمة العربية الموحدة وليد الهواشلة، إن الهدف المركزي للدوائر الحكومية الإسرائيلية هو مصادرة الأراضي العربية تحت غطاء سياسي متطرف وفرض واقع جديد على حساب حقوق أهلنا وأرضهم.
وطالب الهواشلة السلطات الإسرائيلية بالوقف الفوري لسياسات الملاحقة والمصادرة وعمليات هدم البيوت واعتماد حلول عادلة تحفظ حقوق المواطنين في الأرض والمسكن، بدلًا من سياسة فرض الأمر الواقع.
وتابع ملحما لضرورة مشاركة أصحاب حق الاقتراع العرب بالمساهمة في إسقاط أكثر الائتلافات الإسرائيلية الحاكمة تطرفا وعنصرية من خلال ممارسة حقهم بالتصويت في انتخابات الكنيست القادمة: “إننا نعوّل كثيرًا على وعي جماهيرنا في هذه المرحلة الحساسة، فهو السبيل لتجاوز هذه المرحلة المركبة والانتقال إلى مرحلة نستطيع فيها الدفاع عن حقوقنا وتحقيق التغيير المنشود”.
من جهته أكد ابن النقب المحامي يوسف العطاونة، المرشح الرابع في قائمة الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة خلال مشاركته في الاجتماع الجماهيري التضامني في قرية بير الحمام، أن النضال الجماهيري والميداني يشكل ركيزة أساسية في مواجهة سياسات التحريش ومصادرة الأراضي العربية. مشددا على أن مشاريع تحريش الصحراء تستهدف أهالي النقب الأصليين، داعيًا إلى أوسع حالة من الالتفاف الشعبي دفاعًا عن الأرض والوجود.
وأوضح العطاونة لـ”القدس العربي” أن المرحلة تتطلب الوقوف الجماهيري صفًا واحدًا، بوحدة وصلابة، لإفشال هذه المخططات الإسرائيلية الخبيثة. مؤكدًا أن استهداف بير الحمام اليوم يعني أن الخطر سيطال قرى أخرى في النقب إذا لم تتم مواجهته بحراك شعبي واسع. ودعا العطاونة إلى تكثيف التواجد الجماهيري في موقع التحريش والمصادرة اليوم الخميس وإلى مواصلة النضال الشعبي والميداني حتى وقف هذه السياسات، مؤكدًا أن الدفاع عن الأرض هو مسؤولية جماعية تتطلب مشاركة الجميع.
وخلص العطاونة للقول إن “النقب العربي يتعرض اليوم لعمليات تطهير عرقي” منوها لتقارير منظمات حقوقية إسرائيلية أيضا تؤكد ذلك.
ثلثا مساحة فلسطين
تشكل صحراء النقب ثلثي مساحة فلسطين، وكانت آخر منطقة يُستكمل احتلالها في فبراير/شباط 1949 ضمن عملية “يوآف”. ومن وقتها لم تنته المعركة على تهويدها، ويواجه البدو المتبقون فيها نوعا من التطهير العرقي.
ينقسم البدو (15 بالمئة من فلسطينيي الداخل) إلى فئتين رئيسيتين، الأولى تشكل أقلية تقيم في الجليل، والثانية هي الأكثرية المقيمة في النقب. وفي الحالتين أصولهم واحدة من سيناء وشبه الجزيرة العربية. ويقيم في النقب اليوم نحو 300 ألف فلسطيني يقطن عدد قليل منهم في عاصمة الصحراء مدينة بئر السبع، والبقية في ست قرى ومدينة رهط وفي 35 قرية غير معترف بها إسرائيليا ومحرومة من أقل الخدمات.
واحتدمت المعركة على هوية النقب مجدّدا قبل نحو ثلاثة عقود بعدما أعد رئيس حكومة إسرائيل الراحل أرييل شارون خطته لمحاصرة البدو عددا ومساحة جغرافية.
رسالة بن غوريون لولده
وهذه فكرة صهيونية قديمة، فقد بعث ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل رسالة إلى ابنه عام 1938 يقول له فيها: “إن أراضي النقب محفوظة للمواطنين اليهود متى شاءوا وأينما شاءوا ولابد من طرد العرب وأخذ مكانهم”. وفعلا لم يبق في عام 1951 من البدو إلا 13 ألف نسمة مع أن عددهم كان يتراوح أواخر الأربعينيات بنحو 90 ألف نسمة.
وفي أواخر عام 1953، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً ذكرت فيه أن سبعة آلاف بدوي من النقب جرى ترحيلهم إلى مناطق قريبة من الأردن وإلى غزة وسيناء اللتين كانتا خاضعتين للحكم المصري، مع أن الكثير منهم انسلّ عائدا عبر الحدود دون أن يتمكن أحد من اكتشافهم.
ويستذكر الجغرافي الباحث ثابت أبو راس أن موشيه دايان، قائد القوات الإسرائيلية في حرب عام 1967، وأكثر القادة العسكريين شهرة، قد تحدث عما يدور في خلد الإسرائيليين عندما تنبأ بقرب زوال ظاهرة البدو عن الوجود.
رحم المرأة البدوية
ويوضح أبو راس لـ”القدس العربي” أن أسباب هذا العداء الذي يكنه القادة الإسرائيليون للبدو ذو شقين، فالحكومات الإسرائيلية التي كانت تسعى إلى بسط سيطرتها على الأرض والسكان، كان يساورها القلق حيال نسبة الإنجاب عند البدو وهي من الأعلى في العالم. كما أن نمط حياة البادية القائم على الترحال يجعل من المستحيل ضبط تحركاتهم ومراقبة أنشطتهم كما هو حاصل بالنسبة للتجمعات السكنية العربية الثابتة.
ويمضي أبو راس موضحا منابع الطمع الإسرائيلي: “تعتبر منطقة النقب الممتدة حتى عسقلان وأسدود على البحر الأبيض المتوسط، والعقبة على ساحل البحر الأحمر، أفضل بقعة شاسعة لاستيعاب موجات الهجرة اليهودية مستقبلا، كما أن الطبيعة القاحلة لهذه الصحراء وصعوبة اختراقها أو مشاهدة التحصينات فيها، جعلتها مكانا مناسبا لإنشاء القواعد العسكرية والعمليات الحساسة. فقد تمّ على سبيل المثال إنشاء المفاعل النووي الإسرائيلي بالقرب من بلدة ديمونا في النقب، وهناك تم إجراء تدريبات على مخطط لاغتيال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين”.



