بين التأميم والعدالة..!

خاص “المدارنت”
كان تأميم قناة السويس، بداية مسيرة التنمية والعدالة الإجتماعية، ومن ثم إنتهاج الإشتراكية كطريق إقتصادي إجتماعي لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين؛ لتأمين القاعدة الأساسية للحرية وهي حرية لقمة العيش..
شنّ كل أعداء التقدم العربي، الأجانب والعرب، هجومًا كاسحًا على جمال عبد الناصر وتجربته النهضوية، بسبب هذا المنهج الإقتصادي، وأشاعوا أن إشتراكية التجربة الناصرية، كانت السبب في تخلّي الكثيرين من العرب عن تأييدها والتحول إلى العداء لها ومحاربتها، ولم يكن هذا الكلام إلا تغطية وتبريرا لموقف متخلف، يعادي التقدم العربي المبني على الحرية والوحدة..
اليوم، نجد ان جميع دول الغرب الرأسمالية؛ تلجأ إلى التأميم، وتتدخل وبقوة وحسم في تسيير الحياة الإقتصادية ورعاية شؤون الناس وحقوقهم، لا دولة على الإطلاق في الغرب الرأسمالي، تنتهج الليبرالية فعليا، كونها تؤكد وتصر على عدم تدخل الدولة في إقتصاد السوق وحركته.
إنتهى عصر الليبرالية، وما تفرع عنها من أسس فكرية تقوم على الفردية المادية الإستهلاكية، وفي سياقها الديموقراطية الليبرالية التي فقدت حاليا مضمونها وقدرتها على تأمين مشاركة شعبية حقيقية، نتيجة هيمنة رأس المال على العملية السياسية بكل أركانها، من الإعلام آلى التمويل إلى تبني المرشحين الملائمين لمصالحها، وتوجيه الرأي العام لا بل صناعته بكل أبعاد الصناعة المتكاملة الأسس والتوجهات، الأمر الذي يتطلب نهجا في الحرية يختلف تماما عن النهج الليبرالي وديمقراطيته الفارغة من المضمون الإنساني الحقيقي..
هذه الليبرالية الرأسمالية التي سمحت بتكدس ثروات طائلة خرافية في أيادي بضعة آلاف من البشر، فيما يعاني مئات الملايين من العوز والفقر وسوء التغذية، مما أسّس لفوارق طبقية وإجتماعية هائلة بين الناس، الأمر الذي كان سببًا في معظم مظاهر التطرف والحقد والفساد والشذوذ أيضا.
ما لم يتم تغيير هذا الواقع نحو مستويات حياتية أكثر عدلا واقرب إلى المساواة، وتقليل الفوارق بين الطبقات الإجتماعية؛ سوف تتفاقم الأوضاع الإنسانية بؤسًا وشقاء وتفاوتا، كما سيزداد التدهور القيمي الإجتماعي والأخلاقي، تحديدًا لصالح صعود أكبر لكل سلوكيات الشذوذ والفساد والإنحرافات المتنوعة، كما الفساد المالي والسياسي والإقتصادي والعهر الإجتماعي، والتباهي بالمظاهر والسطحية على حساب كل ما هو قيمة أخلاقية إجتماعية، لا خلاص للأمم، وخاصة تلك التي تعاني من تكدس الثروات بأيدي القلة القليلة؛ إلا بالعودة إلى التأميم لتأمين ما يكفي من موارد لتحقيق العدل والمساواة، ولو في حدودها الدنيا..
بالمناسبة، فإن جمال عبد الناصر، هو أول ما طرح فكرة: “تذويب الفوارق بين الطبقات”،بديلا عن الصراع الطبقي من جهة، وعن تراكم الفوارق الطبقية والمستويات المالية والإجتماعية..
أما رأسمالية العولمة الإستهلاكية، فإنها تعمل على قذف جميع البشر في عوالم الشراء والإستهلاك لتحقيق المزيد من الربح، وما الحروب – في أحد أوجهها الأكثر خطورة – إلا نتيجة لذلك النهج المادي الإستهلاكي الذي لا يرى في الإنسان إلا أداة أو سلعة للإستهلاك، وإجترار الغرائز والتحوّل إلى البهيمية والإستغراق في تكتلات القطعان التي لا تجيد سوى الإستهلاك، من دون تفكير ومن دون أي حرية تمكنها من التمييز أو الإعتراض أو حتى النقد لتفقد بذلك قدرتها على الخروج عن القطيع، وما تحدده وسائل إعلام العولمة التبشيرية التسويقية.
تلك كانت إحدى ركائز ومميزات تجربة جمال عبد الناصر، والتي تثبت الأيام والتجارب أهميتها وفعاليتها، والحاجة المعاصرة للعودة إليها لوقف التدهر والإنحراف والفساد، وتراكم الأحقاد والمشاعر السلبية.



