جب جنين تستعيد صوت العقل… احتفاءً بإرث المفكر العربي سعد كمّوني

جب جنين/ “المدارنت”
في حضرة الفكر لا يكون الرحيل نهاية، بل انتقالًا من حضور الشخص إلى حضور الفكرة. والدكتور سعد حسن كمّوني، واحد من أولئك الذين تجاوزوا حدود الزمان والمكان، بعدما تركوا إرثًا فكريًّا وثقافيًّا جعل اسمه مرتبطًا بأسئلة العقل والتجديد والبحث عن الحقيقة. لذلك، لم يكن اللقاء في جب جنين تأبينًا لراحل، بقدر ما كان احتفاءً بعقلٍ ما زال حيًّا في كتبه وأفكاره وتلامذته ومحبيه.
ففي أمسية امتزج فيها الوفاء بالمعرفة، واحتضنتها بلدة جب جنين في البقاع الغربي، التي أنجبت أحد أبرز الأصوات الفكرية العربية المعاصرة، أقيم احتفال تكريمي لذكرى المفكر العربي الكبير الراحل د. سعد حسن كمّوني، بدعوة من “المجلس الثقافي الاجتماعي للبقاع الغربي وراشيا”، و”المنتدى الثقافي الاجتماعي في البقاع”، وبلدية جب جنين، وذلك في قاعة الرئيس خالد شرانق في مبنى البلدية، وسط حضور ثقافي وشعبي واسع.

استهل عرّيف الحفل د. علي أيوب، بكلمة ترحيبية، تلاها النشيد الوطني اللبناني، ثم كانت كلمة المدير العام لوزارة الثقافة د. علي الصمد، الذي أكد أن قيمة الكبار لا تحتاج إلى كثرة اللقاءات الشخصية، بل تكفي آثارهم الفكرية والعلمية للتعريف بهم، مشيرًا إلى أن معرفته بالدكتور كمّوني تعمّقت من خلال كتاباته ومن خلال نجله د. خالد كمّوني.
ولفت الصمد إلى أن الراحل ترك إرثًا فكريًّا كبيرًا يناهز خمسة عشر مؤلفًا علميًّا وفكريًّا، جعلت منه مرجعًا في مجال اختصاصه، مشدّدًا على أن أبرز ما ميّز مشروعه الفكري هو إعلاء مكانة العقل، والدعوة إلى الاحتكام إليه قبل العواطف والانتماءات والمصالح.
أمّا رئيس بلدية جب جنين خالد الحاج أحمد، فأكد أن البلدة خسرت برحيل الدكتور كمّوني قامة فكرية ووطنية كبيرة، لكنها تفخر بأنها احتضنت مفكرًا وشاعرًا وأديبًا حمل رسالة العلم والإبداع، مشيرًا إلى أن حياته كانت درسًا في الصمود والطموح وخدمة المجتمع.
ثم ألقى رئيس “المجلس الثقافي الاجتماعي للبقاع الغربي وراشيا” الشاعر صالح الدسوقي، قصيدته التي استعاد فيها مسيرة الراحل الفكرية والإنسانية، ومما جاء فيها:
تهيَّب الشعرُ ماذا عنك يكتبهُ
وأنتَ فوق مدى كما تسطع الشهبُ
ولا أبـالــغ إنَّ المبـدعين هُـمُ
مِـن وحـي ربِّـكَ نــورٌ ليس يُحتجبُ
خُذها من القلب في ذكراكَ ملحمةً
لعلَّني فيكَ قــد أدَّيــتُ مـا يجـبُ
وتحدثت د. هدى معدراني عن حضور سعد كمّوني، الذي يبقى فاعلًا حتى بعد الرحيل، مؤكدة أن المفكرين الكبار لا يغيبون لأن أفكارهم تستمر في الأجيال، وقالت: “يا سعد لا أبكيك اليوم ولا أرثيك.. بل أبكي مجلسًا ما زال بحاجةٍ إليك”.

أما الأستاذ رفعت نسيب فارس، فتوقف عند عمق مشروع كمّوني الفكري، خصوصًا كتابه العقل في القرآن الكريم، مؤكدًا أن رحيله كشف حجم العقل المتوهّج الذي امتلكه، وأنه كان نموذجًا لتألق العقل العربي وقدرته على مساءلة الحاضر.
وأشار المحامي واصف الحركة إلى أن د. سعد اختار الطريق الأصعب، طريق البحث في القضايا الكبرى، مؤمنًا بأن الفكر لا يهدف إلى الانتصار على الآخرين، بل إلى الانتصار على الجهل، وأن تجديد الفكر يكون بالحوار مع التراث لا بالقطيعة معه.
من جهته، ألقى الشاعر العربي عمر شبلي، قصيدة بعنوان: “وحده الطين إلى القبر ذهب”، استعاد فيها رفقة العمر وهموم الفكر والعروبة، ومن أبياتها:
مــن عهـد آدمَ لا يحظى بــأجــوبـةٍ
َمن راح يسأل في موتٍ عن السّببِ
يـا سعدُ، هذي هـي الــدنيا، وآلتُها
حفْــرُ قبـورٍ، ومـا حفّـارها بغــبـي
أتـيـتُ أسأل مستشفـاك عنـك
وبشوق لصوتِك إذ أدعو ولم تٌجِبِ
وعندما الصمتُ أمسى بيـنا لـغـةً
رأيتُ دمعَكَ يستلقي على هُـــدُبــي
يا سعدُ، أنتَ كتابٌ لن تموتَ فَعِشْ
وليأخذِ الموتُ ما يعنيهِ من تُرُبِ
إنْ كنتَ في القبرِ تستلقي على حجرٍ
فإنَّ فكرَكَ يستلقي على الكتُبِ
وفي كلمة العائلة، أكد د. خالد سعد كمّوني أن والده لم يكن مجرد ذكرى، بل مشروعًا فكريًّا مستمرًّا، داعيًا إلى قراءة تراثه لتجاوز الجمود والانطلاق نحو فكر جديد.
وفي اختتام الاحتفال، قدّمت الجهات المنظمة دروعًا تذكارية لعائلة د. سعد حسن كمّوني، تقديرًا لعطائه الفكري والثقافي.




