حين تُهشَّم اللغة على المنابر!

خاص “المدارنت”
منذ بداية صيف هذا العام، شاركتُ في مناسبات ثقافية واجتماعية وسياسية، مختلفة المواضيع ومتعددة المناطق الجغرافية. وسمعتُ فيها أشخاصاً كثيرين اعتلوا المنابر مرات عديدة، وتصدّروا المشهد الكلامي أمام جمهور واسع.
لكن ما أثار اهتمامي، بل هَلَعي، لم يكن اختلاف المواقف أو تباين الآراء، وإنما ما سمعته من خطبٍ ه!شّمت اللغة العربية الفصيحة، وأساءت إلى جمالها وموسيقاها وقواعدها، حتى بات الخطأ اللغوي يُلقى على المنبر بثقة، ويُستقبل بالتصفيق كأنه من علامات البلاغة والتميّز.
المشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان؛ فالخطأ طبيعي، ولا أحد يدّعي العصمة في اللغة أو في غيرها. لكن المشكلة أن يتحوّل الخطأ إلى عادة، وأن يتكرر على المنابر، وأن يصبح مألوفاً، ثم لا نجد من ينبّه إلى خطورته أو يصحح مساره. فالمصفقون كُثر، أما الناصحون فقليلون.

والأخطر أن بعض هؤلاء المتحدّثين شبابٌ في مقتبل العمر، ما يزال أمامهم مُتّسع من الوقت لتحسين أدائهم اللغوي، والارتقاء بقدرتهم على التعبير، واكتساب سلامة النطق وصحّة التركيب. فاللغة ليست ترفاً، ولا زينةً تضاف إلى الكلام؛ إنها أداة التفكير، ووسيلة التواصل، ووعاء الثقافة والهوية.
ومن المؤسف؛ أن نرى شاباً يمتلك الحماسة، وربما يمتلك الفكرة الجيدة، ثم يضعف أثرها بسبب لسانٍ غير مدرّب، أو جملةٍ مكسورة، أو لفظٍ في غير موضعه. فحسن الفكرة يحتاج إلى حسن التعبير، والمنبر مسؤولية قبل أن يكون مساحة للظهور.
ليس المطلوب أن يتحوّل كل خطيب إلى أستاذ في النحو والصرف، ولا أن نُخضع الكلام الشعبي أو العفوي لمعايير مدرسية صارمة؛ وإنما المطلوب حدٌّ أدنى من سلامة اللغة، ولا سيما حين يكون الحديث في مناسبة ثقافية أو سياسية أو اجتماعية عامة.
لقد كان أسلافنا يدركون أن قوة الخطاب لا تنفصل عن قوة اللغة، وأن المتحدّث لا يكتفي بأن تكون لديه فكرة، بل عليه أن يعرف كيف يصوغها، وكيف يبلغها إلى الناس بأوضح عبارة وأجملها.
لذلك، فإن مسؤولية المؤسسات الثقافية والتربوية والسياسية؛ لا تقتصر على إعداد الخطباء والمتحدّثين في مضمون ما يقولون، بل ينبغي أن تشمل تدريبهم على فن الإلقاء وسلامة اللغة وحسن الأداء.
نحن لا نحتاج إلى المزيد من التصفيق للأخطاء، بل إلى ثقافةٍ تجعل من التصحيح فضيلة، ومن النصيحة اللغوية خدمةً لا انتقاصاً، ومن إتقان العربية؛ جزءاً من احترام المنبر والجمهور.
فإذا كان بعض شبابنا قد اعتادوا اعتلاء المنابر، فإن الفرصة ما تزال مُتاحة أمامهم؛ ليستعيدوا للغة هيبتها، وللكلمة جمالها، وللمنبر احترامه. فالمنبر الذي لا يحترم اللغة، سرعان ما يفقد احترام الكلمة.

ومن هنا؛ أدعو إلى اعتماد دورات تدريبية متخصصة في قواعد اللغة العربية وفنون الإلقاء، ولا سيما للشباب الذين يستعدون لاعتلاء المنابر أو يمارسون الخطابة بصورة منتظمة. ويمكن للمؤسسات الثقافية والتربوية والأهلية أن تفتح دوراتٍ لغويةً على مدار العام، تكون متاحة للراغبين من مختلف الأعمار والمستويات، بحيث يتعلم المشاركون أساسيات النحو والصرف، وسلامة النطق، وصحة تركيب الجملة، إلى جانب التدريب العملي على الإلقاء والتعبير. وكلما أتيح للشاب أن يتعلّم ويتمرّن ويصحح أخطاءه في بيئة مشجعة، ازدادت ثقته بنفسه، وتحسّن أداؤه، وأصبح المنبر مساحةً للكلمة الواعية لا ساحةً لاستعراض الأخطاء.



