رحلت بعد أن أديت الرسالة يا أبا ربيع

علي بكر الحسيني/ ألمانيا
“المدارنت”
يرحل اليوم علي فتّال (أبو ربيع) فيترجّل فارس آخر من فرسان العروبة، الذين آمنوا بهذه الأمة قضية ورسالة ومصيراً، وعاشوا عمرهم كله وهم يحملون همّها في القلب والعقل والسلوك اليومي، كالتزامٍ ثقيل دفعوا أثمانه من أعمارهم واستقرارهم وراحتهم الشخصية.
كان أبو ربيع، واحداً من أبرز رجالات تنظيم الطليعة العربية، ذلك التنظيم القومي الذي أسسه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1965، باسم «طليعة الاشتراكيين» ليكون إطاراً قومياً عربياً يحمل مشروع الوحدة والتحرر والعدالة الاجتماعية، ثم امتد حضوره إلى أرجاء الوطن العربي وعدد من عواصم العالم، وكانت رابطة الطلبة العرب الوحدويين الناصريين إحدى واجهاته الفكرية والنضالية.
من حلب إلى بيروت، ومن أثينا إلى عواصم عربية كثيرة، تنقّل أبو ربيع حاملاً همّ الفكرة القومية ومشاركاً في بناء المؤسسات الثقافية والإعلامية التي شكّلت في تلك المرحلة منابر حقيقية للفكر العربي الوحدوي. كان حاضراً في «دار الوحدة» التي تولّى رئاستها إلى جانب الراحل عبد الهادي ناصف (أبو عمرو)، وأسهم مع رفاقه محمد خليفة وحسن صبرا وآخرين في إطلاق مشاريع ثقافية وسياسية تركت أثرها الواضح في الحياة الفكرية العربية، من مجلة «الشراع» إلى «المصباح» و«ندوة ناصر الفكرية»، في مرحلة كانت فيها بيروت مساحة مفتوحة للحلم العربي الكبير.
عرفه رفاقه إنساناً هادئاً وصلباً في آنٍ معاً، وفياً لرفاق الدرب، لا يساوم على قناعاته ولا يتخلّى عن إيمانه بالعروبة مهما اشتدت الهزائم وتكاثرت الانكسارات. حمل مع ثلة من المناضلين العرب أمانة الاستمرار في زمن اختار فيه كثيرون التعب أو الصمت، فبقي حتى سنواته الأخيرة مشغولاً بتوثيق تجربة «الطليعة العربية» مع رفيق نضاله الدكتور مخلص الصيادي «أبو إياد»، إيماناً منه بأن الأجيال القادمة من حقها أن تعرف كيف عاش أولئك الرجال وكيف ناضلوا وكيف حلموا بأمة حرّة موحّدة.
رحل أبو ربيع في إسطنبول بعيداً عن حلب التي أحبها وعن بيروت التي كانت جامعة جيل كامل من القوميين العرب، لكنه يترك وراءه سيرة من الالتزام النظيف والعمل الصامت والعناد النبيل في الدفاع عن فكرة العروبة في زمن كثرت فيه التحولات والانكسارات.
وإن كانت الأجساد ترحل، فإن الرجال الذين عاشوا لفكرة كبيرة يبقون حاضرين في ذاكرة أمتهم وفي وجدان كل من عرفهم أو سار معهم في طريق النضال الطويل.
رحم الله علي فتّال (أبو ربيع) وألهم أهله وأحبّته الصبر والسلوان.



