سوريا للبنانيّين: إطمئنّوا!

“المدارنت”
مما لا شك فيه، أن لزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الثانية الى لبنان، أهمية خاصة، من حيث التوقيت، والأبعاد السياسية لهذه الزيارة، لا سيما بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المتكررة، التي طلب فيها من الرئيس السوري أحمد الشرع، التدخل في لبنان، والمساعدة في نزع سلاح “حزب الله”، بهدف تأمين الحدود الشمالية للكيان الصهيوني، وتهيئة الظروف السياسية لمعاهدة سلام بين لبنان و”إسرائيل”.
يذكر أن تصريحات ترامب، أثارت الكثير من ردود الفعل في الداخل اللبناني، ولا سيّما في أوساط قوى سياسية كانت تدور في فلك نظام الأسدين الإرهابي المجرم، وفي أوساط سياسية مناوئة لما كان “يُسمّى محور الممانعة”، جراء التجربة المريرة التي عاشتها هذه الفئة من اللبنانيين، مع دخول قوات الأسد الى لبنان في العام 1976، بناء على طلب ما كان يُسمّى “الجبهة اللبنانية” في حينه، والتي كان يرأسها مؤسس “حزب الوطنيين الأحرار” الرئيس الراحل كميل شمعون، وتضمّ اليه مؤسس وزعيم “حزب الكتائب اللبنانية” الراحل بيار الجميل، وقبلهما رئيس الجمهورية اللبنانية سليمان فرنجية، رئيس ومؤسس “تيار المردة” جدّ النائب والوزير الزغرتاوي السابق سليمان فرنجية، وغيرهم مِن القوى السياسية اليمينية، التي كانت توصف بـ”القوى الإنعزالية”.
ولعبت بعض القوى السياسية المناوئة للدولة السورية الجديدة التي يرأسها الرئيس السوري أحمد الشرع، دورّا سلبيًا مقيتًا في حق الشعب السوري، تحت عنوان: “مكافحة الإرهاب” الممجوج والمستهلك، الذي كان وما يزال “ساري” المفعول، الى حدّ ما، ويحضر في كل مناسبة؛ ومن دونها، لا سيما وأن هذه القوى وتوابعها ما تزال حتى اللحظة تعتبر أن الرئيس الشرع الذي كان يرأس “جبهة النصرة” قبل تحوّلها الى “هيئة تحرير الشام”، هو إرهابي ولا يمكن الوثوق به ولا بسياساته في الداخل السوري، ولا في المنطقة، وما تزال هذه الفئة تروّج لما تعتبره “خطورة الإرهاب” التي يشكلها النظام السوري الجديد.
والجدير بالذكر، أن الرئيس السوري أحمد الشرع، أكد في غير مناسبة، أن مسألة التدخل في شؤون لبنان الداخلية مسألة باتت خلفه، وأن إدخال قوات عسكرية سورية تساعد في نزع سلاح “حزب الله” أمرًا ليس واردًا في السياسة الخارجية السورية، كما طمأن لبنان، قيادة وشعبًا، بأنه مستعد لإتخاذ أي خطوة من شأنها مساعدة لبنان سياسيًا، وتكرّس حالة التهدئة والإستقرار في هذا البلد الشقيق.
إنطلاقًا من هذه المواقف لأعلى سلطة سياسية في سوريا الجديدة، تأتي زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والوفد المرافق الى لبنان، واللقاءت الرسمية التي عقدها مع كل من: رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون، ورئيس مجلس النواب/ رئيس “حركة أمل” في لبنان نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء اللبناني د. نواف سلام، إستكمالًا للقاءات رسمية تعقدها دوريًا قيادات أمنية في البلدين، من أجل وضع العلاقة بين الدولتين في إطارها الصحيح، وتعزيز العلاقات السياسية والإقتصادية والأمنية، بما يؤمن الراحة والطمأنينة للبنان أولًا، ولسوريا في الدرجة الثانية.
ونشير الى أهمية لقاء الشيباني مع الرئيس بري، لأول مرّة، الذي يأتي في ظروف سياسية داخلية معقدة، بخاصة، وأن بري الذي يشكل العنصر الثاني في “الثنائي الشيعي” الموالي لإيران، والذي يرفض بدوره بشكل قاطع توقيع لبنان “إتفاق إطار” مع كيان العدوّ الإرهابي الصهيوني، برعاية أميركية “مشبوهة”، ذلك الكيان الذي يطمح الى تحقيق حلمه بإقامة سلام دائم مع لبنان، وفتح أبواب الإعتراف به، وتطبيع العلاقات معه، بعد صراع سياسي وعسكري مرير بدأ منذ العام 1948، عقب إحتلال فلسطين.
وما يمكن تفسيره من أهداف الزيارة، أيضا، هو تأكيد سوريا الجديدة بقيادة الشرع، إنها تقف الى جانب السلطة اللبنانية الشرعية، والى جانب الشعب اللبناني، وإنها على إستعداد لعمل كل ما يلزم، من أجل إستقرار لبنان وعودة الحياة فيه الى طبيعتها، ولا سيما بعد عقود من الحروب الداخلية/ الأهلية، والخارجية، التي يواصلها الكيان الصهيوني على لبنان حتى اللحظة.
كما يمكن إعتبار ما أدلى به الوزير الشيباني، عن إستعداد سوريا للقاء مع “حزب الله”، إذا إقتضت المصلحة ذلك، لفتة مهمة يمكن أن يُبنى عليها، بخاصة بعد لقاء الوزير الشيباني مع الرئيس بري، الحليف الرئيسي الثاني لـ”حزب الله”، وما يمثله على مستوى “الطائفة الشيعية”، وعلى المستوى الرسمي، على الرغم من نفيه التطرّق مع بري الى “حزب الله”، الذي كان من أوائل من بادروا الى دفع “ميليشياتهم” العسكرية الى مساندة نظام الطاغية المخلوع بشار الأسد، عقب إندلاع “الثورة السورية” في آذار 2011.
والكل يذكر هذا الدور الخطير الذي لعبه “حزب الله”، من أجل مصلحة النظام البائد، ومن خلفه إيران، التي لم تتأخر في إرسال مجموعات من قادة وأفراد النخبة في “الحرس الثوري الإيراني”، وعناصر من ميليشيات توابعها العسكرية المسلحة في العراق واليمن وباكستان وأفغانستان وغيرها الى سوريا، للعب نفس الدور الذي سبقها اليه “حزب الله”، ولاحقًا إنضمت اليهم روسيا، الدولة النووية الثانية في العالم، بقيادة فلاديمير بوتين، نفسه، الذي هرّب الطاغية بشار الأسد عقب إنتصار الثورة السورية في 8 كانون الأول “ديسمبر” 2024 الى موسكو، ومنحه كما منح شقيقه ماهر وبعض ضباطه لجوءًا إنسانيًا.
يمكن القول بإختصار شديد، إن زيارة الشيباني والوفد المرافق جاءت في مرحلة تُعد الأخطر في تاريخ لبنان والمنطقة، والتي حصلت فيها سلسلة حروب متنقلة، بدأت في غزة والضفة الغربية، في فلسطين المحتلة، وما تزال قائمة في لبنان، كما لا تزال مُهيأة وقائمة بين إيران و”حزب الله” من جهة، وأميركا وكيان العدوّ الصهيوني، من جهة ثانية، على الرغم من كثافة الإجتماعات السياسية والديبلوماسية العربية والغربية التي تسعى الى إنهائها، والتي بدأت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، مرورًا بوسقط عاصمة سلطنة عمان وجنيف السويسرية والعاصمة الأميركية واشنطن والعاصمة القطرية الدوحة، بعد أن طالت شظاياها البلدان المعنية بالحرب، إضافة الى دول الخليج العربي التي تعرضت لعدوان إيراني ما يزال واردًا بذريعة وجود قواعد عسكرية أميركية على أراضيها.
وتبقى الحقيقة الواضحة أمام الجميع، التي لا لبس فيها، إلّا في رؤوس البعض، الذي يرفض الإعتراف بالواقع السوري الجديد، كما يرفض الإعتراف بـ”ضَعضَعة” ما يُسمّى “محور الممانعة”، ولا سيّما بعد سقوط نظام الطاغية المخلوع بشار الأسد، وتراجع دور “حزب الله” العسكري على مستوى المنطقة، وإنحساره في الداخل اللبناني، هي طمأنة اللبنانيّين التي أخذت حيّزا كبيرًا في صلب اللقاءات التي عقدها الشيباني مع المسؤولين اللبنانيين، وأولهم الرؤساء عون وبري وسلام، إضافة الى لقاءاته مع كل من: مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، والبطريرك الماروني بشارة الراعي، والسيد وليد جنبلاط، بما يمثل على الساحة الوطنية و”الدرزية” في لبنان والجوار، ورئيس حزب “الكتائب اللبنانية” سامي الجميل، ورئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع في معراب.



