النظام الإيراني أكبر تهديد لاستقرار المنطقة..!

خاص “المدارنت”
لم يكن التلويح الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، والحديث عن استهداف ممرات بحرية استراتيجية أخرى، مجرد رد فعل على الضغوط العسكرية الأمريكية، بقدر ما كان تعبيراً عن جوهر السياسة التي انتهجها نظام ولاية الفقيه منذ قيامه قبل أكثر من أربعة عقود. فهذا النظام لم يتعامل يوماً مع الأمن الإقليمي والدولي بوصفه مسؤولية مشتركة، بل اعتبره ورقة للمساومة والابتزاز، يلجأ إليها كلما وجد نفسه في مواجهة أزمة تهدد بقاءه.
ولذلك، فإن التهديد بإغلاق أحد أهم الممرات البحرية في العالم لا ينبغي النظر إليه باعتباره تطوراً عابراً فرضته الظروف الراهنة، وإنما باعتباره امتداداً لنهج سياسي وأيديولوجي جعل من تصدير الأزمات والتوترات جزءاً أساسياً من فلسفة الحكم. فمنذ الأيام الأولى لقيام الجمهورية الإسلامية، ارتبط مشروعها السياسي بتصدير الثورة، وبناء الميليشيات العابرة للحدود، واستخدام الإرهاب والابتزاز الأمني أدواتٍ لترسيخ النفوذ وفرض الوقائع.
ولم يكن مصادفةً أن تحذر المقاومة الإيرانية، ممثلةً بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، طوال السنوات الماضية، من أن نظام ولاية الفقيه لا يشكل خطراً على الشعب الإيراني وحده، بل يمثل عاملاً دائماً لزعزعة السلام والاستقرار في المنطقة والعالم. كما أكدت أن التطرف الديني الذي يتبناه النظام أصبح أحد أخطر التحديات الدولية في القرن الحادي والعشرين، لأنه لا يكتفي بقمع الداخل، بل يسعى إلى تصدير أزماته عبر الحروب بالوكالة، والإرهاب، والابتزاز النووي، وتهديد الملاحة الدولية.
ومن هذا المنطلق، فإن التهديد بإغلاق مضيق هرمز لا يختلف في جوهره عن المشروع النووي، أو برنامج الصواريخ الباليستية، أو شبكة الميليشيات المنتشرة في عدد من دول المنطقة. فجميعها أدوات تخدم هدفاً واحداً، هو جعل المجتمع الدولي يتعامل مع النظام باعتباره أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه، حتى لو كان الثمن استمرار حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
ولا يخفى أن مضيق هرمز يمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز، وأي تعطيل لحركة الملاحة فيه لن يقتصر أثره على دول الخليج، بل سيمتد إلى الأسواق العالمية، وسلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، والتجارة الدولية. ومع ذلك، فإن النظام الإيراني لا يتردد في استخدام هذا الممر الدولي ورقة ضغط، في انتهاك واضح للقانون الدولي، لأنه يرى أن تحويل الأمن العالمي إلى رهينة هو أحد الأساليب التي تمكنه من تحسين شروطه السياسية والتفاوضية.
غير أن هذا السلوك يعكس في الوقت نفسه حجم الأزمة التي يعيشها النظام. فالسلطة التي كانت تتباهى قبل سنوات بامتلاك “محور نفوذ” يمتند عبر المنطقة، تجد نفسها اليوم أمام تراجع واضح في أدواتها، سواء بفعل الضغوط الاقتصادية، أو الضربات التي تعرضت لها مواقعها ووكلاؤها، أو تصاعد الرفض الشعبي داخل إيران. ولذلك، فإن العودة إلى التهديد بإغلاق المضائق والممرات البحرية تمثل محاولة لتعويض التراجع الميداني عبر رفع كلفة المواجهة على المجتمع الدولي.
لكن التجربة أثبتت أن المشكلة لا تكمن في الوسيلة التي يستخدمها النظام، وإنما في طبيعة النظام نفسه. فمنذ أكثر من أربعة عقود، لم تتغير الأدوات إلا في الشكل؛ مرة عبر احتجاز الرهائن، ومرة عبر التفجيرات والاغتيالات، ثم عبر الميليشيات والصواريخ والطائرات المسيرة، واليوم عبر التهديد بإغلاق المضائق الدولية. أما الهدف فظل ثابتاً: ابتزاز العالم من أجل ضمان استمرار سلطة ولاية الفقيه.
ومن هنا، فإن الاقتصار على إدارة الأزمات التي يصنعها النظام، دون معالجة مصدرها، أثبت محدوديته. فكل جولة تفاوض أعقبتها جولة جديدة من التصعيد، وكل تنازل قابله النظام بمزيد من التشدد، لأنه اعتبر أن سياسة الابتزاز تحقق له مكاسب أكثر مما تكلفه.
إن ما تؤكد عليه المقاومة الإيرانية منذ سنوات يكتسب اليوم أهمية أكبر من أي وقت مضى، وهو أن الأمن الإقليمي والدولي لن يتحقق عبر التكيف مع سياسات النظام أو احتواء تهديداته، بل عبر إزالة الأسباب التي تنتج تلك التهديدات. فالمشكلة ليست في مضيق هرمز وحده، ولا في البرنامج النووي وحده، ولا في الصواريخ أو الميليشيات منفردة، وإنما في منظومة حكم جعلت من صناعة الأزمات شرطاً لبقائها.
ولهذا، فإن مستقبل السلام في المنطقة لن يتحدد بمدى نجاح النظام في إغلاق مضيق أو تهديد ممر بحري، بل بقدرة الشعب الإيراني وقواه الديموقراطية المنظمة على إنهاء مشروع ولاية الفقيه وإقامة دولة تقوم على احترام القانون الدولي، وحسن الجوار، والتعايش السلمي، وفصل الدين عن الدولة. وعندئذ فقط، لن تتحول المضائق البحرية إلى أدوات ابتزاز، بل ستعود إلى دورها الطبيعي جسوراً للتجارة والتعاون، بدلاً من أن تبقى رهائن في يد نظام أدمن صناعة الأزمات لأنه يخشى مواجهة أزمته الحقيقية في الداخل.



