عقلية الحروب!
“المدارنت”
بينما يئن العالم تحت وطأة عدد غير مسبوق من النزاعات المسلحة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ها هي الحروب تتجدد، ومن يدري ماذا سيحدث في المستقبل القريب في المناطق الساخنة في أرجاء شتى من العالم؟ هل ينتصر صوت العقل أم تتغلب عقلية الحرب؟
ظلت الحرب قرينة الوجود البشري، وظلت خسائرها تزداد مع التزايد في القوة التدميرية للأسلحة والذخائر، ومع ذلك فإن الحروب لم تتوقف على الرغم من أن بعضها أودى بحياة الملايين، تماماً كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية. من الواضح أن الحروب تبدأ في عقول صنّاع القرار ومتخذيه قبل أن تتحرك الدبابات والطائرات والغواصات.
هذه القرارات لا تنطلق بالضرورة من مسلّمات لا مفر منها، بل على العكس في حالات كثيرة لم يكن لها ضرورة، وكان من الممكن تحقيق الأهداف التي نشبت عبر وسائل أخرى غير الوسائل العسكرية، بل إن النتائج كان من الممكن أن تكون أفضل بكثير، ناهيك عن الكلفة البشرية والمادية الضخمة، التي تترك ندوباً كثيرة في نفوس الشعوب ما قد يدخل في ما يمكن تسميته متوالية الحروب حتى يتم استرداد ما سُلب من كرامة أو أرض.
في تفسير ظاهرة الحروب كتب الكثير، وبعض هذه الكتابات خصص لتفسير حروب بعينها، والملاحظ على محاولات التفسير تلك أنها كانت تميز بين ما يمكن تسميته بالعوامل الموضوعية وراء نشوب الحروب، وتلك العوامل التي كانت بمثابة شرارة انطلاق الحرب. والمثال الأبرز هنا في الحرب العالمية الأولى، حيث إن التفاعلات بين القوى الأوروبية الرئيسية في ذلك الوقت، القديمة والصاعدة، كانت تميل إلى الصراع أكثر منه إلى التعاون، ما جعل القادة تحت ضغوط متوالية، وزاد من التوتر، ومن ثمَّ فإن حادثة اغتيال الأرشيدوق فريدناند ولي عهد النمسا في ذلك الوقت كانت بمثابة العامل المفجر للحرب وليس ضمن الأسباب الموضوعية لها.
هذه الظروف الموضوعية ما هي إلا نتاج مجموعة من القرارات، ومن ثمَّ فإن النظريات التي بحثت في مسببات الحروب لم تغفل تأثير العنصر البشري، وتحدث بعضها عن حروب قد نشبت بسبب سوء الإدراك. حيث يعتقد أحد الأطراف أن بمقدوره في حال المبادرة بشن الحرب تحقيق كل الأهداف المبتغاة وفي وقت زمني قصير، ثم يتفاجأ بنتائج معاكسة على صعيد الأهداف، خاصة أن قرار إنهاء الحرب يكون قد خرج من يد من بدأها في ظل الحقائق الجديدة التي خلقتها العمليات العسكرية على الأرض.
العالم في أمسِّ الحاجة إلى تحكيم صوت العقل والرشد في اتخاذ القرارات حتى لا تنزلق الأمور في ما هو قائم من نزاعات مسلحة إلى ما هو أسوأ، والأسوأ هنا قد يكون غير مسبوق بالمرة نظراً للقوة التدميرية الهائلة للأسلحة غير التقليدية، بما فيها النووية، التي بات معظمها يفوق بكثير ما استخدم في هيروشيما وناغازاكي، قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، كما أن توالي اشتعال النزاعات في مناطق فيها منشآت نووية يزيد من مخاطر حدوث تسرب إشعاعي قد يطال مساحات واسعة، ويؤثر على ملايين البشر.
حري بالعالم أن يلتفت أكثر إلى التنمية وليس إلى ما يذهب بثمارها سدى.



