عربي ودولي

غويريش: وقفنا في حرب غزة على الجانب الصحيح للتاريخ وأميركا وروسيا تعطلان مجلس الأمن!

ترامب وغوتيريش

“المدارنت”
أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن “القوى العظمى اكتشفت حدود ما يمكنها عمله، وأن الجمود الأمريكي مع إيران والغزو الروسي المتعثر لأوكرانيا، قد كشفا عن حدود قوة القوى العظمى”، رافضا “فكرة تراجع دور الأمم المتحدة في عالم متعدد الأقطاب”.

وقال غوتيريش في حديث الى صحيفة “فايننشال تايمز”: “إن عالمًا يعاد تشكيله بفعل تراجع الهيمنة الأمريكية، وصعود قوى جديدة، والدروس القاسية المستفادة من حروب الاختيار التي فشلت فيها القوى العظمى في الحرب الباردة في تحقيق انتصارات حاسمة”.

وفي ظل الأزمة المالية وانخفاض الروح المعنوية والانقسامات بين القوى العظمى التي تعصف بمنظمته، حذر الأمين العام من أن “نظاما أكثر تعددا للأقطاب ينذر بالانزلاق نحو المواجهة ما لم تتكيف المؤسسات العالمية معه”.

وتابع غوتيريش: “حان الوقت للقوى العظمى أن تدرك حدود قوتها”، و”إذا نظرنا إلى ما حدث في الآونة الأخيرة، نجد أن قدرة القوى العظمى على فرض إرادتها أو قوتها في العديد من المواقف قد تضاءلت بشكل كبير”.

أضاف: “انظروا إلى ما حدث مع روسيا وأوكرانيا”، في إشارة إلى الغزو الشامل الذي شنته موسكو عام 2022، والذي كان من المتوقع أن يستمر لبضعة أيام، و”انظروا إلى ما حدث مع الولايات المتحدة وإيران”، مشيرا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث كانت أمريكا تأمل في استسلام طهران عندما هاجمتها في شباط/فبراير، لكن بعد ستة أشهر، ما زال النظام الإيراني صامدا وقد أغلق مضيق هرمز، أهم ممر مائي للطاقة في العالم.

وقال غوتيريش: “على القوى العظمى أن تدرك أن الأمور قد تغيرت وأن ثقل الدول قد تغير”، حيث وصف هذه النكسات بأنها جزء من التحول من النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة من حقبة ما بعد الحرب الباردة إلى عالم متعدد الأقطاب.

ورفض رئيس الوزراء البرتغالي السابق، البالغ من العمر 77 عاما، فكرة أن مجلس السلام الذي أنشأه دونالد ترامب، وهو تجمع لقادة دوليين تأسس العام الماضي بهدف مبدئي هو التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وحماس، يمكن أن ينافس مجلس الأمن الدولي، مشيرا إلى فشله في إحراز أي تقدم في غزة. وقال: “مع كل الصعوبات التي قد تواجه الأمم المتحدة، فإن الحقيقة هي، إذا نظرنا إلى ما حدث في غزة، وإلى الإجراءات التي اتخذت وإلى التقدم الذي أحرز، فلنكن صريحين، ليس من شأن الأمم المتحدة أن تقلق. بل من شأن الآخرين أن يقلقوا بشأن ما يفعلونه”.

وتعلق الصحيفة أنه وخلال العقد الذي قضاه غوتيريش في رئاسة الأمم المتحدة، تراجع دورها كوسيط في الأزمات العالمية. ويرى بعض المسؤولين السابقين والحاليين أنه والأمم المتحدة ارتكبا خطأ في ولايته الثانية بتقليل حضورهما في مناطق النزاع، إذ يبدو أن تركيزه قد تحول من الوساطة في النزاعات إلى تحديات مجتمعية أوسع، مثل مكافحة تغير المناخ.

وقد أقر غوتيريش بصعوبة التوسط في حروب أوكرانيا وغزة وإيران. ويقول إن مجلس الأمن، وهو الهيئة المسؤولة عن صنع القرار في الأمم المتحدة، بات “شبه مشلول”، إذ عرقلته أمريكا وروسيا، وهما اثنتان من الدول الخمس التي تتمتع بحق النقض، في سعيهما لتحقيق أهدافهما. كما أقر بأن الأمم المتحدة قد تم تهميشها في الحرب الأهلية في السودان، حيث استغلت جهات خارجية حالة الجمود في مجلس الأمن للتدخل في القتال. ويقول: “يسود الآن شعور بالإفلات من العقاب وقد تضاءلت قدرتنا على التأثير بشكل كبير” لعدم وجود مجلس أمن قادر على إجبار الدول على “الالتزام بقواعد السلوك وإلا ستعاقب”.

إلا أنه نفى تخليه عن الوساطة، مشيرا إلى زيارة قام بها مؤخرا إلى قبرص، المقسمة منذ 60 عاما. ويقول: “الوساطة اليوم بالغة الصعوبة ونتائجها محدودة. لكننا لن نستسلم”. وأضاف أن أمريكا وجدت صعوبة أيضا في التوسط في لبنان وغزة والسودان وليبيا.

أما بخصوص الانتقادات الموجهة إلى الأمم المتحدة بأن صوتها أصبح “أكثر خفوتا” خلال فترة رئاسته، فقد أوضح أن العديد من المسؤولين رفعوا أصواتهم بشكل أكثر وضوحا بشأن الحرب في أوكرانيا والهجوم “المروع وغير المقبول” الذي شنته حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 والهجوم الإسرائيلي الانتقامي “غير المقبول بتاتا” على غزة.

وقد شعرت كل من إسرائيل وروسيا بالغضب الشديد تجاهه بسبب انتقاداته لسجلهما. وهو يرفض بشدة اتهام إسرائيل للأمم المتحدة بالتحيز المؤسسي ضدها. وقال: “أعتقد أننا كنا على الجانب الصحيح من التاريخ ولقد دافعنا عما هو ضروري لكي يتمكن شعبان من العيش معا”.

وكما هو الحال مع العديد من أسلافه الثمانية، وجد غوتيريش أن مشكلته الأكبر غالبا ما تكمن في علاقته مع الولايات المتحدة. ولم يخف ترامب استياءه من سجل الأمم المتحدة وأجندتها متعددة الأطراف. وقد سحبت إدارته الدعم من منظمة الصحة العالمية ووكالات أخرى تابعة للأمم المتحدة، وأوقفت تمويل عشرات العمليات التابعة للأمم المتحدة. تدين الولايات المتحدة بأكثر من ملياري دولار لميزانية الأمم المتحدة، وثلاثة مليارات دولار لعمليات حفظ السلام، وفقا للأمم المتحدة، رغم إعلانها نيتها تخصيص 725 مليون دولار للميزانية.

وقد شهدت فترة رئاسة غوتيريش تخفيضات حادة في الميزانية، ما أدى إلى فقدان آلاف الوظائف. ورحب المسؤولون الأمريكيون بهذه التخفيضات كخطوة أولى، رغم تأكيدهم على ضرورة تطبيقها منذ سنوات. وأقر مسؤولون في الأمم المتحدة بأن حقبة ما بعد الحرب الباردة شهدت زيادة هائلة في طموحاتها، وازدواجية مهدرة في الصلاحيات.

وقال غوتيريش، في إشارة إلى ضغوط الميزانية: “اعتقد كثيرون أن العديد من وكالات الأمم المتحدة ستنهار. لم ينهر أي شيء، بالطبع، تقلص حجمنا. هل الوكالات على وشك الانهيار؟ كلا، لأننا كنا منظمين بطريقة سمحت لنا بالتكيف بسرعة”. و”بفضل حجم أصولنا الضخم، الذي يبلغ حوالي 4 مليارات دولار، نستطيع مواصلة أنشطتنا. في ميزانية عام 2026، خفضنا عدد الوظائف بنسبة 22%. لا أعرف أي مؤسسة عامة في العالم فعلت ذلك”. وأضاف أنه تم تخفيض عدد الجنود في عمليات حفظ السلام العام الماضي بنسبة 25% و”استطعنا تقليص عدد هؤلاء الجنود وحدة تلو الأخرى، وربما لم تلاحظ ذلك حتى صحيفة فايننشال تايمز”.

وتتسم علاقة غوتيريش بالتوتر مع ترامب ونادرا ما تحدث إليه في ولايته الثانية، لكنه أكد أن الأمم المتحدة والولايات المتحدة تتعاونان بعيدا عن عناوين الأخبار في عدد من النزاعات، بما في ذلك الصحراء الغربية وليبيا والسودان. كما سلط الضوء على دور الأمم المتحدة في مساعدة واشنطن في الأزمة الإنسانية في هايتي.

وتزامن العقد الذي قاد فيه غوتيريش الأمم المتحدة مع صعود جيل جديد من “القوى المتوسطة” كفاعلين متزايدي النفوذ على الساحة الدولية، بما في ذلك عمالقة الجنوب العالمي، مثل الهند، ودول الخليج الغنية.

ويرى أن هذا “اتجاه إيجابي جدا” من شأنه أن يفضي إلى تغيير الهيئات العالمية، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لتعكس واقع العالم اليوم بدلا من واقعها عند تأسيسها عام 1945. إلا أنه دعا إلى ضرورة التعامل مع هذا التحول بحذر شديد. فإذا لم تسرع القوى العالمية في جعل هذه الهيئات تعكس العالم المتغير، “يكمن الخطر في أن يؤدي ازدياد التعددية القطبية إلى مزيد من التنافس، وفي نهاية المطاف إلى مزيد من المواجهة”.

وأضاف: “دعونا لا ننسى أن أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى كانت متعددة الأقطاب، ولكن في غياب مؤسسات الحكم متعددة الأطراف، كانت النتيجة الحرب العالمية الأولى”.

وتسعى الدول المتوسطة والصغيرة جاهدة لإصلاح مجلس الأمن، حيث كانت أمريكا والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا، الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية عام 1945، تتمتع بحق النقض (الفيتو)، ليس فقط على القرارات، بل أيضا في اختيار الأمين العام. ويقول غوتيريش إن وجود ثلاثة من أصل خمسة أعضاء أوروبيين يتمتعون بحق النقض أمر غير مستدام، و”في النهاية، لا بد أن ينعكس الأمر على أرض الواقع. وسيكون من المحتوم أن يتكيف مجلس الأمن مع الثقل النسبي للقوى المختلفة في العالم.”

لكنه أقر بصعوبة الموافقة على أعضاء دائمين جدد في مجلس الأمن المصلح. وعلق قائلا: “السلطة لا تمنح، بل تنتزع” و”السؤال هو: كيف يمكننا تنظيم المجتمع لخلق الظروف اللازمة لانتزاع هذه السلطة؟”.

ومع اشتداد المنافسة على خلافته عند انتهاء ولايته الثانية التي تمتد لخمس سنوات في كانون الأول/ديسمبر، أشار المنافسون إلى رغبتهم في أن يكون للأمم المتحدة دور أكثر بروزا في الأزمات العالمية. وتحدث أحدهم عن احتمال مواجهة الأمم المتحدة “موتا بطيئا” في غياب إصلاحات شاملة، وألمح إلى تقليص أنشطتها. ونصيحة غوتيريش الوحيدة لخلفه هي “أن يكون على طبيعته ويفعل الصواب الذي يؤمن به”.

وعبر غوتيريش في جلسات خاصة عن مخاوفه من احتمال تقلص سلطة الأمم المتحدة ونطاق عملها في المستقبل. ويستبعد خطر أن تمضي الأمم المتحدة إلى نفس مصير سابقتها، عصبة الأمم، التي فقدت أهميتها مع اقتراب الحرب العالمية الثانية. وقال غوتيريش إنه على الرغم من “كل الصعوبات والمشاكل”، فإن أعظم خدمة قدمتها الأمم المتحدة على مدى ثمانية عقود هي تجنب نشوب حرب بين القوى العظمى.

والآن، وفي أواخر ولايته، فهو فخور بشكل خاص بسجله الحافل في دعم مكافحة تغير المناخ في مواجهة الزعماء الشعبويين الذين يقللون من شأن هذه القضية. وقال غوتيريش: “لا يملك الأمين العام أي صلاحيات، لكن لديه صوتا وقدرة على التنسيق. أما السلطة فهي أمر آخر ونحن لا نملكها. لكن لن يسكت صوتنا”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى