في نعي الأخ علي فتال ..

“المدارنت”
حينما تسللت جرثومة الإقليمية إلى عقل كثيرين من المناضلين الوحدويين العرب؛ ولا سيما من الناصريين منهم؛ تحول الولاء الوطني إلى ما يشبه العصبية الإقليمية التي تجابه الولاء القومي وتصارع الإنتماء إلى الأمة، بدل أن يكون خطوة في سبيلها ورافدا من روافد العمل الوحدوي، الساعي إلى بلورة شخصية الأمة كيانا سياسيا موحدا قويا عزيزا متماسكا.
حين حصل هذا التحول في فكر مناضلين قوميين، وتحولوا إلى ملحقات للعقل الإقليمي الإنفصالي؛ ظل المناضل القومي الوحدوي علي فتال على صفائه القومي، وصدق إلتزامه بالفكر الوحدوي الذي يمثل أعلى مستويات التحرر والرؤية المستقبلية الإستشرافية والأصالة الفكرية والعقائدية.
بقي علي فتال (من سوريا)، ذلك الفتى المليء حماسة قومية وحدوية، الآتي من حلب العروبة على نقاء ذهن فكري وحدوي، لم يهبط إلى مستوى العصبية الإقليمية، وهو السوري شديد التعلق بوطنه سورية العربية، وعميق المحبة والوفاء لها، وهو ما دفعه لأن يقف ضد نظام القهر والتبعية والإنفصالية الإنشقاقية الذي حاول وأد كل فكر قومي وحدوي في شعب سورية العظيم؛ متحملا قهر السجن والغربة والنفي من دون أن يساوم أو يخضع.
بقي فتال، وهو الوطني السوري من الطراز الأمين والمخلص؛ وحدويا قوميا يعلي راية إنتمائه القومي فوق كل إعتبار، وكان أبو ربيع نموذجا في الوعي القومي والإلتزام الوحدوي، متفوقا على كثيرين ممن هبط ولاؤهم إلى أن أصبح إقليميا فقط وإن تدثر بوطنية صادقة.
وحينما إفتقدت حركة النضال العربي قيادتها الثورية، وتنظيمها الطليعي القائد؛ ظن كثيرون من أبنائها أنفسهم قادة عظام، فتمترسوا وراء مسميات وأبّهيات ومناصب، تمسكوا بها أكثر مما تسمح لهم بها وقائع العمل التنظيمي والضرورات النضالية، حتى علت فيهم نرجسية فردية، ظلت تتمادى حتى أصابت فيهم مقتلا أفقدهم صفاءهم الفكري وإخلاصهم النضالي، فصار الولاء للذات والمناصب فوق الولاء للأمة أو المؤسسة أو الوطن.
حين أصابت النرجسية الفردية كثيرين من المناضلين؛ بقي المناضل علي فتال على صفائه الخلقي وبساطته النفسية وتواضعه الإنساني، من ون أيّ حسابات أو تطلعات شخصية ذاتية أنانية، كما بقي نموذجا في النضال الأصيل المترفع عن الخلفيات الشخصية أو المصلحية، وهو الإمتحان الذي لم ينجح فيه بعض من كانوا يوما مناضلين، فحولتهم النرجسية إلى عقبات في طريق النضال والعمل المؤسساتي، وكان أن أدت نرجسيتهم تلك إلى شلل مؤسسات نضالية عريقة، وإلى إستبعاد طاقات نضالية مخلصة وشريفة كثيرة من دروب التعاون المؤسساتي والتنظيمي السليم.
وحين أغرت العلمانية، بعضا من القوميين، وأخذتهم بعيدا عن الإسلام تحت مظنة الإبتعاد عن الطائفية والمذهبية؛ بقي علي فتال مجسدا في حياته وسلوكه وقبلهما في وعيه وقناعاته، ذلك التكامل المبدع بين العروبة والإسلام في شخصية الأمة ومقوماتها التاريخية والحضارية، فبقي طيلة حياته مؤمنا حريصا على قيم وأخلاق الإسلام وثوابته الإجتماعية والإنسانية، ولم تخدعه شعارات العلمانية التي تستهدف الإسلام كنظام أخلاقي/ إجتماعي/ حياتي متحضر متحرر أصيل.
..عمّا نتحدث في الأخ أبو ربيع؟ عن التواضع و البساطة والطيبة والعفوية؟ تلك الصفات التي يفتقد إليها بعض من إنتسبوا يوما إلى تيارات القومية العربية والناصرية؛ ثم غلبتهم دوافع الفئوية أو العصبية أو المصالح الشخصية، أو إغراءات المال والجاه والسلطان وبهرجة الظهور والإعلام، ما أوقعهم في تقاطعات مريبة أبعدتهم تماما عن العطاء النضالي والصفاء الفكري والنقاء القومي، ورغم كل الضغوط والإغراءات التي تعرض لها ناصريو الحركة القومية العربية بعد وفاة جمال عبدالناصر؛ صمد أبو ربيع، حرا مناضلا كثير الصفاء والوفاء ناصع الأخلاق والتواضع والأمانة.
لم تؤثر فيه كل تدخلات أجهزة السلطات الأمنية، عربية كانت أو إقليمية أو دولية؛ وبقي حرا مستقلا متحررا من أيّ تأثيرات لتلك الأجهزة وسلطانها؛ على غير ما حدث لعدد غير قليل من أبناء تلك الحركة الذي تصيدتهم أجهزة ما، وحولتهم إلى أدوات لها تخرّب بهم وعبرهم مسيرة توحيد العمل المؤسساتي، وتستخدمهم في تسويق كثير من المواقف والسياسات المناقضة لكل فكر قومي أو مصلحة وطنية.
علي فتال، إبن بار لثورة عربية تحررية؛ ومناضل ترعرع في مسيرة تنظيم طليعي، فأبلى ونافح وإستمسك بالوحدة والإستمرار وإستقالية الإرادة والقرار.
علي فتال، أبن “التنظيم الطليعي” أو “الطليعة العربية” التي أنشأتها ثورة تموز الناصرية، بتوجيه مباشر من جمال عبد الناصر لتكون “التنظيم الثوري الذي يضمن إستمرار الثورة”، بعيدا من أجهزة الدولة الإقليمية، متحررة من الإرتباط بها؛ ولتبقى إطارا نضاليا منظما يجمع الشباب العربي ليمارس دوره في بناء المستقبل العربي من خلاله، تلك الطليعة التي إنتكست على يد بعض اعضائها الذين خضعوا للدوافع غير النضالية، فسقطوا وأسقطوا التجربة معهم.
وبقي أبو ربيع، وكثيرون معه؛ متمسكين بإصرار على بقائها وإستمرار عملها إلى أن غلب الفئويون الشخصانيون، بدعم من دول وأجهزة وأموال عظيمة نهبت لتتحول إلى أرصدة في حسابات أشخاص أو جمعيات إسمية، تتحكم بها مصالح فئوية حولوها إلى وقفيات ذرية شخصية وعائلية، (ولسوف تتكشف كثير من الحقائق عن تلك التجربة الجميلة في كتاب أعده رفيق الأخ علي فتال، وأحد أبرز قيادات تنظيم “الطليعة العربية” الأخ الدكتور مخلص الصيادي، عن تلك الطليعة العربية الرائدة (سيصدر من بيروت قريبا)..
الأخ علي فتال، سيرة مناضل أصيل لم يهن ولم يخضع ولم يتجبر ولم يتمختر، ولم يكسب على حساب النضال، ولم ترهقه الضغوط والإغراءات والتدخلات، بقي وحدويا عربيا متحررا من كل العصبيات الإنفصالية والتقسيمية..
وداعا الأخ والصديق الغالي العزيز أبو ربيع علي فتال..



