مقالات

كاتب صهيوني: هُزِمْنا هزيمة مُطلقة!

حاييم ليفنسون

“المدارنت”/ خسرنا. هذا هو الوضع. خسرنا الحرب. هذا هو الاستنتاج الواضح لكل مواطني “إسرائيل” (كيان الإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة). صعوبة الاعتراف بهذا تحمل في طياتها كل ما يقوله علم النفس الفردي والجماعي الخاص بإسرائيل. ثمة أمامنا واقع بَيِّن، حاد، مستحَق وجليّ ينبغي أن نبدأ بتذويته، بهضمه/ بفهمه واستخلاص ما ينبغي منه من استنتاجات للمستقبل. لكن ليس من اللطيف أن نقول إننا خسرنا، ولذلك نكذب على أنفسنا. البعض بنوايا سيئة، والبعض الآخر بسذاجة. من الأفضل أن نعزّي أنفسنا ببعض السكريّات الجيدة التهوية ذات قشرة الانتصار المتكامل.
لكن هذا بايغل ـ بعد العزاء، يبقى ثمة ثقب. ما العمل، ليس الجيد هو الذي ينتصر دائمًا. كتابي المفضّل هو “الحب في زمن الكوليرا”. ممتع ولطيف التفكير بأنه حتى بعد واحد وخمسين عاماً، تسعة أشهر وأربعة أيام، سيحقق فلورنتينو أريسا حيه لفيرمينا داسا. غابرييل غارسيا ماركيز كاتب رائع، لكن الرسائل لا تصل دائمًا.
قد ينقطع الحب الجميل في بعض الأحيان، قد يؤلم وقد ينزف حتى الموت. هكذا هو الحال في الحياة. أحيانًا تكون النهاية سعيدة، لكنها ليست كذلك في كثير من الأحيان. هكذا هو الحال في الحروب أيضًا.
بعد ستة أشهر كان من الممكن أن نكون في مكان آخر، لكننا سبايا بين أيدي قيادة هي الأسوأ في تاريخ الدولة، متنافسة جديرة في منافسة القيادات الأسوأ في كل تاريخ الدول. لكل عمل عسكري يُفترَض أن تكون نهاية سياسية ـ العمل العسكري يُفترَض أن يفضي إلى واقع سياسي أفضل. ليست لدى “إسرائيل” نهاية سياسية، بل لديها محتال في الرأس، من دون أية قدرة قيادية وقدرة على اتخاذ القرارات، يفقد قدرته على تحكيم العقل بالسيجار المجاني. عند الخروج إلى موعد مع بيني سيلع، هنالك مخاطر. هذا هو الرجل، 32 مقعدًا وضعوا ثقتهم فيه.
نظريًا، كان بإمكاننا أن نكون في مكان آخر. من صدمة الافتتاح كان بالإمكان الانطلاق إلى معركة سريعة، قوية وعدوانية، عادلة للغاية، من أجل تنظيف “حماس” حيثما أمكن واستبدالها بتحالف دول أخرى، بأموال ونوايا طيبة للترميم وإعادة الإعمار، وبدعم دولي وعربي، يدًا بيد مع السلطة الفلسطينية. كان بإمكاننا خلق بديل دائم لحماس في قطاع غزة. بعد ستة أشهر، كان من المفترض أن تظهر في قطاع غزة بوادر حكم مستقل. في كل يوم وفي دقيقة كان بالإمكان اتخاذا قرارات أخرى، أفضل. لكن هذا ما اخترناه. بدلة فيها إنسان.
ممنوعٌ قولُ هذا، لكننا خسرنا. ثمة ميلٌ لدى بني البشر للإيمان بالخير ولأن يكونوا متفائلين. الرجاء أن يكون الغد على ما يرام، أن نكون في خضمّ سيرورة تكون نهايتها أكثر نجاحًا. هذا هو إخفاق التفكير البشري الأساسي جدًا. أن الاتجاه الذي نسير نحوه هو جيد، وما علينا إلا الوصول. ها هنا، القليل من الوقت الإضافي، القليل من الجهد الإضافي وسيعود المخطوفون، وستستسلم حماس، وسيتم القضاء على (يحيى) السنوار. فنحن الجيدون والجيد هو الذي ينتصر. هذه هي العقلية ذاتها التي تقود إلى الافتراض بأن “النظام الإيراني سوف ينهار من الداخل، عمّا قريب” وغيرها من الافتراضات الأخرى التي يعود أصلها إلى كتابة السيناريوهات الهوليوودية، لا إلى الحياة الحقيقية ذاتها. فهي ليست حقيقة. وهذا يتصل بغير اللطيف. أليس من غير اللطيف قول الحقيقة للجمهور؟
استنتاجي، كصحافي، من 7 تشرين الأول هو أن “غير اللطيف” هو الشيء الأكثر خطورة على أمننا ومستقبلنا هنا. أن الإدمان على الجيد/ الخير هو هو الخطير. يجب قول الحقيقة، حتى لو كانت غير لطيفة، حتى لو كانت مؤذية، حتى لو لم ترق لبعض الناس، حتى لو كانت تمسّ بالروح المعنوية. يجب الوقوف مقابل الماكينات الدعائية العاملة لصالح بيبي (بنيامين نتنياهو)، حتى لو كانت كلابها الهجومية تشمّ خصيتيك. ذلك أنه من كان يقول في 1 تشرين الأول أن رئيس “أمان” (شعبة الاستخبارات العسكرية) غيرُ كُفُؤ، وأن شعبة الاستخبارات العسكرية تجيد إعداد عمليات ناجحة لكنها غير قادرة على التحذير من حرب، وأن “الشاباك” (جهاز الأمن العام) مستسلم للشعور بالنعاس وأننا سنتلقى صفعة حياتنا كلها في الحال، كان سيُنظر إليه على أنه واهم، انهزامي ومعزول عن الواقع. وكان بعض السياسيين سيطالبون بتقديمه إلى المحاكمة بتهمة نشر معلومات كاذبة. كانت هناك علامات كثيرة على أن الجيش سيء، لكننا أبينا أن نراها، لأننا نؤمن بالخير.
من غير اللطيف القول، لكن ليس من المؤكد أننا سنكون قادرين على العودة إلى الحدود الشمالية بأمان، كما كان الوضع سابقًا. لقد غيّر حزب الله المعادلة، لصالحه. هذا هو الوضع. طالما بقينا نحكي لأنفسنا عن موعد خيالي، موهوم ـ نيسان، أيار، 1 أيلول ـ وإنه إذا ما استمر حزب الله حتى ذلك الوقت، فسوف نحطم أمّه. في كل مرة يتم تأجيل الموعد. الحدود خالية. الخديعة مستمرة. ثمة الآن احتمال كبير لأن يتم استهداف أيّ سفرة على الحدود الشمالية على مدى سنوات عديدة قادمة. ستسقط تل حاي مرة أخرى. وهكذا أيضاً في كل القطاعات: لن يعود جميع المخطوفين. لا أحياء ولا أموات. لقد فُقد بعضهم ولن يُعرف مصيرهم. سيكونون رون أراد. سيتجول أقاربهم في حالة من الجنون جرّاء القلق، الخوف والخشية. سوف نُطلق بالونًا لذكراهم، من حين إلى آخر.
لن يستطيع أي وزير إعادة الشعور بالأمن الشخصي. وسوف يهزّنا أي تهديد إيراني. مكانتنا الدولية تلقت ضربة. ضعفنا القيادي تكشّف تجاه الخارج. نجحنا في المخادعة طوال سنوات عديدة بأننا دولة قومية وشعب حكيم وجيش عظيم القوة. لكننا فعلياً “قرية يهودية” (على غرار القرى اليهودية في أوروبا الشرقية قبل الحرب العالمية الثانية) لديها سلاح جوّ، وهذا أيضًا شريطة أن يتم إيقاظه في الوقت المناسب.
جزء من صعوبة الاعتراف بأننا خسرنا ينبع من قدسية الجيش. ممنوع قول أية كلمة سيئة عن الجيش. فقط عن 7 تشرين الأول فقط يمكن القول ـ بشكل عينيّ ـ أنه مُخجل. منذ ذلك اليوم، نحن أسود. صحيح، الكثير من الجنود هم أسود حقًا. نهضوا، غادروا بيوتهم، حاربوا، أظهروا مستوى جيدًا من الجندية، حققوا إنجازات تكتيكية محترمة. حقيقة أننا خسرنا لا تعني أنهم جنود غير جيدين. أو أنهم لم يبذلوا ما يلزم من الجهد، لم يقدموا ولم يعرضوا حيواتهم للخطر وأنهم لم يكونوا مستعدين لفعل كل شيء. هذا يعني أن الدمج ما بين قدرات الجيش وأداء المستوى السياسي هو الذي قادة إلى النتيجة غير الجيدة. متخصصو الفقاعات الإعلامية يقفزون في كل مرة ويصرخون “أنت تمسّ معنويات الجنود”. هذا تلفيق خفيف، لأنه ـ في الحقيقة ـ من يريد أن يكون ضد الجنود؟ نعمل على أنفسنا، إذًا.
إلى جانب علم النفس الطبيعي، هنالك أيضًا ماكينات الكذب والغش. ثمة معسكر سياسي وجوده وبقاؤه مرهونان، إلى حد بعيد، بـ “الانتصار”. لقد فقد هذا المعسكر منذ زمن أية علاقة مع الواقع والحقيقة. لقد عرفنا زعيمه، بينوكيو الإنساني. إنه يتحدث منذ أشهر عن “الانتصار المطلق” وعن “خطوة عن الانتصار” ومنذ شهرين “على الفور” سوف ندخل إلى رفح، غدًا، غدًا، غدًا، سأذهب. كان من الممكن أن أصدق المشجع بوزاغلو بأنني الوحيد والمميز بالنسبة له قبل وأكثر من تصديق كلمة واحدة يقولها نتنياهو.
هذه هي الطريقة ـ أَجِّل قدر مستطاعك، وفي الأثناء اكذِب. جيش الأبواق يزعق بصوت عالٍ. في أحواض الأزهار في القناة 14 ينمو خلال الأشهر الأخيرة بوق جديد، شاب ذو ذؤابة يُدعى موطي كسطل. إذا كان ينون مجال وأريئيل سيغل عبدين ذليلين للملك الأب، فإنّ كسطل هو الخادم الذليل ليئير نتنياهو. رايتُ في نادي دانجن (نادي السادية ـ مازوشية) أشخاصًا أكثر حرية وتحررًا منه. ظهر هذا الأسبوع على شاشة القناة 14 وتعهد للشعب بأن ها هو الانتصار قادم: “أتلقى العديد من التوجهات من مواطنين، يسألون هل تنازلنا عن رفح؟
وأنا أقول هذا بمسؤولية مطلقة. سيكون اقتحام لرفح، رئيس الحكومة قال في مرات عديدة وبصوته هو أنه سيكون اقتحام لرفح وهو لا يستطيع أن يتخلى عن الدخول إلى رفح. بل أكثر من ذلك، فقد قال في أحد اللقاءات إننا سنكون مضطرين للقيام بذلك لوحدنا بما يتعارض مع موقف الولايات المتحدة، وسنفعل ذلك. يمكنكم أن تهدؤوا. هذا سيحدث”.
موطي كسطل في القناة 14، عن الدخول إلى رفح. رأيت في دانجِن (نادي ليلي) أشخاصًا أكثر تحررًا منه.
“رفح” هي الخدعة الجديدة التي تسوّقها أبواق الدعاية لتضليلنا وإيهامنا بأن ها هو النصر قادم فورًا. من الآن حتى يدخلوا إلى رفح، سيفقد الحدث معناه. سيكون دخول ربما، أو ربما تأتي محاولة دخول في وقت ما. لنفترض في أيار، مثلًا. بعدها، سوف يسوّقون الكذبة التالية، أننا على وشك أن نفعل(أكمل الناقص) والانتصار في الطريق. الواقع هو أن أهداف الحرب لن تتحقق. المخطوفون لن يُعادوا بالضغط العسكري. الأمن لن يُستَرَدّ.
كلما زعقت الأبواق “منتصرون”، فمعنى ذلك ببساطة أننا خاسرون. الكذب عقيدتهم. يجب تعوُّد ذلك. الحياة أقل أمنًا مما كانت عليه قبل 7 تشرين الأول. الضربة سوف تبقى محفورة لسنين عديدة أخرى. العزلة الدولية لن تزول. الأموات، كما هو معروف، لن يعودوا. وكذلك أيضًا كثيرون من المخطوفين. حياة البعض منا سوف تعود إلى مسارها، مع الخوف القاهر الذي سيعود للتوّ. وحياة البعض الآخر منا لن تعود إلى مسارها. سيتجول هؤلاء بيننا مثل الأموات وهم على قيد الحياة، سنقترب منهم بحبّ مصحوب بالشفقة التي تصبح عادة. هذا هو الذي اخترناه. هذا هو الموجود. يجب تعوّد الواقع الحزين في أرض الوطن.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى