مقالات

لماذا تغيّر الموقف “الإسرائيلي” من وقف إطلاق النار؟!

“المدارنت”..
أعلن أمس الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين “إسرائيل” وحركة «حماس» وذلك بعد رفض حكومة بنيامين نتنياهو، لأكثر من 400 يوم، أي هدنة أو وقف إطلاق للنار متصدية لكل الضغوط العالمية والعربية والداخلية، فلماذا تغيّر الموقف الإسرائيلي؟
بدأت الضغوط الأممية بمواقف مهمة لأنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، الذي تعرّض منذ أول تصريح له حول الأسباب التاريخية لاندلاع الحرب، لانتقادات واتهامات فظيعة، وشمل مسلسل الرفض “الإسرائيلي” إصدار مجلس الأمن القرار 2728 المطالب بوقف إطلاق النار يؤدي لوقف دائم ومستدام، وإعلان محكمة الجنايات الدولية إصدار مذكرتيّ توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يؤاف غالانت، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومطالبة محكمة العدل الدولية (بعد دعوى لجنوب افريقيا انضمت إليها دول كثيرة) إسرائيل باتخاذ تدابير إضافية لمنع الإبادة الجماعية في غزة، ووقف الهجوم العسكري على رفح، وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمنظمات والمفوضيات التابعة للأمم المتحدة، وكان أحد أقسى ردود فعلها حظر وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) واعتبارها منظمة «إرهابية»!
ماطلت الحكومة الإسرائيلية وتلاعبت ورفضت بطرق متعددة تدخّلات إدارة جو بايدن الأمريكية، ومواقف بعض الدول الأوروبية النافذة كما تجاهلت مواقف الدول الإسلامية واجتماعات القمة العربية، كما رفضت مطالبات المعارضة الإسرائيلية، وتظاهرات أهالي الأسرى المتواصلة، وحتى عمليات انتحار جنودها، وانسحابات بعضهم، والخسائر العسكرية والاقتصادية التي قدّرت بأكثر من 60 مليار دولار، كما أغلقت أكثر من 60 ألف شركة وتعرض قطاع السياحة فيها لانهيار تاريخي.
تعددت التفسيرات لاستماتة نتنياهو في الإصرار على الحرب، ولعلّ أهمّها أن هجوم «حماس» في 7 تشرين أول/أكتوبر 2023، أعطاه التبرير المنتظر وقدّم له فرصة كبرى لتحقيق البرنامج التاريخي «الكاهاني» الذي بنى سيرته السياسية عليه. برنامج يطمح لدفن مشروع الدولة الفلسطينية، والتطهير العرقي للفلسطينيين، وإعادة ضم الضفة الغربية وقطاع غزة، وتوسيع الاستيطان، وانضافت إلى ذلك، مع تغيّرات ميزان القوى في المنطقة، صعود أحلامه بتحوّله إلى «ملك إسرائيل الكبرى» التي تضم مناطق من لبنان والأردن وسوريا، وتأسيسه «الهيكل الثالث» في «قلب امبراطورية الأبارتايد» حسب وصف صحيفة «هآرتس».
أمّنت الحرب لنتنياهو فرصة بقائه السياسي، عبر فتح إمكانية التهرّب من المحاكمة بتهم عديدة، كما فتحت له احتمال حسم معركته الكبرى التي قسمت الإسرائيليين حول خطته لتقويض سلطات المحكمة العليا وإتباعها لسلطته، وسمحت له باستمرار ائتلافه الحكوميّ المتطرّف الذي يتضمن حزبي بتسلئيل سموتريتش «الصهيونية الدينية» وإيتمار بن غفير «قوة يهودية» الذي يسعى لتطبيق «برنامج» التطهير العرقي والإبادة الجماعية واستمرار الحرب والتوسّع الإقليمي.
تشير إعلانات الاقتراب من وقف إطلاق النار، أو «صفقة إطلاق المخطوفين» كما تسميها إسرائيل وحلفاؤها، إلى أن الضغوط التي يتعرّض لها نتنياهو، وشركاه بالتالي، أكبر من كل ما سبق، وقد عزت مجمل وسائل الإعلام الإسرائيلية الأمر إلى «عامل ترامب» الذي نجح، كما يظهر، فيما فشل به بايدن، فإنهاء الحرب يعتبر أولوية للرئيس الأمريكي الجديد المنتخب، وسيكشف ما يحدث داخل ائتلافه الحكومي، بعد تهديد بن غفير بالاستقالة، ووضع سموتريتش شروطا عليها، إن كان قد أرغم على ذلك، أم أنه سيستخدم المرحلة الأولى من الصفقة، للتملّص من مرحلتيها اللاحقتين، بخصوص الانسحاب من محوري نتساريم وصلاح الدين (معبر فيلادلفيا) وباقي مناطق غزة، وصولا إلى إدارة فلسطينية (مع قوات عربية).
إن ربط تغيّر موقف نتنياهو بضغوط الرئيس الأمريكي المنتخب يتجاهل العوامل الأخرى، العالمية والعربية، والإسرائيلية، وكذلك ضربات المقاومة وفشل كل خطط القضاء على «حماس» كما يتجاهل حالة تاريخية يمثّلها وصول إسرائيل، التي اعتبرت حل أوروبا لقضية الإبادة الجماعية لليهود فيها، إلى نموذج الدولة المسؤولة عن الإبادة الجماعية للفلسطينيين.

المصدر: رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى