محللون: ماذا لو اقترحت إيران على ترامب سلاح “حزب الله” مقابل نووي جديد؟
“المدارنت”
يسعى الرئيس اللبناني جوزف عون، إلى إقناع الولايات المتحدة والدول المشاركة في لجنة الرقابة على اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، بأن الجيش اللبناني، يستثمر كل طاقاته في نزع سلاح “حزب الله”، وتدمير منشآته في جنوب الليطاني، ويطالب بتمديد “الوقت النهائي” التهديدي الذي حدد لنهاية السنة. في الوقت نفسه، هو يدير معركة سياسية حازمة ضد إيران.
إن رفض الدعوة لزيارة إيران، التي قدمها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لوزير خارجية لبنان يوسف راجي، تضاف إلى سلسلة مواقف ديبلوماسية سابقة. هذه القائمة تضم منع هبوط طائرات إيرانية في مطار بيروت، وتصريحات الرئيس (اللبناني جوزف) عون برفض الالتقاء مع مستشار الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني. وقبل ذلك، في شباط الماضي، أوضح عون لرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي جاء إلى لبنان للمشاركة في جنازة (الأمين تلعام السابق لحزب الله السيد) حسن نصر الله، بأن “لبنان تعب من الحروب التي تديرها دول أخرى على أراضيه”.
وقبل فترة غير بعيدة أيضاً، أجل وزير خارجية لبنان، إجراءات المصادقة على تعيين سفير إيران في لبنان، بذريعة أن “إيران لعبت دوراً سلبياً جداً في لبنان”، كما قال لقناة “الجزيرة”. في المقابلة نفسها، أضاف راجي بأن “لبنان منفتح على الحوار مع إيران، شريطة ألا تتدخل في شؤون لبنان الداخلية وتوقف تمويل التنظيمات غير الشرعية فيه”.
إيران، التي رفضت ادعاءات راجي، تفاجأت من منشورات نسبت لـ “جهات لبنانية رسمية” تم فيها تفصيل التدخلات في الشؤون اللبنانية. في بدايتها الظاهرة المعروفة التي فيها وزراء وشخصيات إيرانية رفيعة، كانت تأتي إلى لبنان بدون إبلاغ مسبق وتلتقي مع قيادة حزب الله وتنظيمات أخرى وكأن الأمر يتعلق بمنطقة سيادية إيرانية، في حين أن لقاءاتهم مع قيادة لبنان كانوا يجرونها فقط كتحلية أو كشرعنة لتلك اللقاءات. هذه الجهات اللبنانية ذكرت تصريحات شخصيات إيرانية رفيعة، من بينها عليّ شمخاني، المستشار الكبير لعلي خامنئي، الذي أعلن بأن “نزع سلاح حزب الله سيفشل”، وأن سلاح حزب الله هو “سلاح الشعب اللبناني من أجل حمايته”، أو أقوال علي أكبر ولايتي، المستشار السياسي لخامنئي، الذي قال إن “حزب الله مهم للشعب اللبناني أكثر من الخبز والماء”.
يريد لبنان أن يوضح لإيران بأن الظروف قد تغيرت، ومعها أيضاً سياسة حكومة لبنان تجاهها. إذا كانت إيران تريد علاقات جيدة مع لبنان فلا يمكنها أن تتعامل مع حزب الله كحكومة موازية، أو التعامل مع حكومة لبنان كعرض، الذي يرتبط إجراؤه بحزب الله.
رداً على ذلك، أكدت إيران بأنها ستواصل دعم حزب الله. المستشار السياسي لولايتي اعتبر حزب الله “العمود الأساسي في محور المقاومة، ويلعب دوراً رئيسياً في الصمود ضد الصهاينة”، في مقابلة مع “الجزيرة” أول أمس. هذه الأقوال توضح أن الدولتين صعدتا على مسار التصادم، الذي سيحتاج فيه لبنان إلى كامل الدعم الدولي لمواجهة قضية أكثر جوهرية من نزع سلاح حزب الله، وهي كبح جهود إيران في تعزيز مكانتها في لبنان، وأن تكون عاملاً مؤثراً على سياستها.
تهديدات إسرائيل للبنان بشن معركة عسكرية واسعة إذا لم يستكمل نزع سلاح حزب الله، تصب في مصلحة إيران. فهذه الحرب ستحرر إيران من المعضلة التي تقتضي منها الحفاظ على مكانة حزب الله وقوته، وفي المقابل التساوق مع السياسة الجديدة لحكومة لبنان. هذه معضلة مركبة. أمس، نشرت تقارير عن نية إيران استبدال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، وإجراء تغييرات هيكلية في الحزب إزاء الواقع الجديد الذي يتشكل في لبنان. ليس واضحاً ما هو مصدر هذه التقارير وما مدى درجة موثوقيتها، لكن مجرد النشر يوضح أن إيران قلقة من “المشكلة اللبنانية”، التي من شأن أي تصرف فاشل إزاءها أن يستكمل تحطيم نفوذها الإقليمي بعد طردها من سوريا، وإزاء نقد العراق لتدخلها في إجراءات تشكيل الحكومة العراقية.
منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، ومنذ الحرب بين إسرائيل وإيران في حزيران التي شاركت فيها الولايات المتحدة بصورة نشطة في قصف المنشآت النووية، وطهران منشغلة في وضع استراتيجية جديدة، تعيد ترميم مكانتها الإقليمية والدولية، وفي الوقت نفسه إنقاذها من أزمتها الاقتصادية المتفاقمة بعد فترة الجفاف القاسية التي أفرغت الكثير من خزاناتها المائية، التي أوصلت سعر الريال الإيراني إلى حضيض غير مسبوق، الأمر الذي أجبرها حتى على رفع أسعار الوقود رغم التأثيرات المترتبة على الجمهور.
يضاف إلى ذلك الإدراك بأن التحالفات الاستراتيجية والاتفاقيات بعيدة المدى التي وقعت عليها إيران مع روسيا والصين تواجه صعوبة في تشكيل أداة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي أو السياسي أو تقديم الدعم العسكري. الاستثمارات الموعودة تتأخر، وتجاهل روسيا والصين لهجمات إسرائيل والولايات المتحدة أثار موجة انتقادات في إيران، ولم يتبدد الخوف من هجمات جديدة على المنشآت النووية. من جهة أخرى، الانقسامات الداخلية بين الذين يعتقدون أن على إيران المضي بالمفاوضات مع الولايات المتحدة، وبين المتشددين الذين يدعون إلى اتخاذ “موقف متصلب”، لا تساهم في بلورة قرار سياسي.
حتى قبل الحرب، نجحت إيران في تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة، حيث استأنفت علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات والسعودية. وقدر الإيرانيون بأن السعوديين، وقطر وعُمان، ومن خلال المضي بعلاقات طهران مع مصر، سيكونون جزءاً لا يتجزأ من اتخاذ القرارات الإقليمية، ومن الكتلة العربية – الإسلامية، التي تحولت إلى المحور الأكثر تأثيراً على الرئيس الأمريكي ترامب.

لكن بالنسبة لدول الخليج، ما زالت إيران دولة مشبوهة، رغم أن أبو ظبي هي الشريكة التجارية الثانية في أهميتها لإيران، وقطر شريكة استراتيجية في حقل الغاز الضخم في الخليج الفارسي، وأن السعوديين تعهدوا الأسبوع الماضي في اجتماع اللجنة الثلاثية التي تضم السعودية والصين وإيران، بتعزيز العلاقات التجارية مع إيران وتنفيذ الاتفاقات التجارية التي وقعت معها. إضافة إلى ذلك، لم تنس البحرين، الخاضعة لحماية السعودية، كلمات أميري التي تفيد بأن “لإيران حقاً تاريخياً في البحرين”، وكان أيضاً مع الإمارات المتحدة وما زال نزاع حول السيطرة على الجزر الثلاثة في الخليج الفارسي، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.
فوق كل ذلك، يحلق التهديد النووي الإيراني. ففي مناسبات كثيرة، طلبت إيران من السعودية ودول أخرى في الخليج التوسط بينها وبين الولايات المتحدة. ولكن في كل مرة يُعلن فيها عن الطلب كهذا، يثير في إيران عاصفة إعلامية وسياسية، ويعيد البلاد إلى الصيغة البالية التي تنص على أن “إيران مستعدة للتفاوض مع الولايات المتحدة شريطة أن يتم ذلك مع احترام مصالح إيران”، وهذه صيغة تعني تصميماً قاطعاً على تمكين إيران من تخصيب اليورانيوم في أراضيها، وهو الأمر الذي لا يلبي طلبات الولايات المتحدة.
إلى جانب ذلك، لم يفشل التكتل العربي بقيادة السعودية في منع الحرب ضد إيران فقط، بل إنه نفس التكتل الذي يدعم خطة ترامب في غزة ويحتضن نظام أحمد الشرع في سوريا، ويسعى إلى الترويج لحل سياسي بين إسرائيل ولبنان يلزم حزب الله بنزع سلاحه. تبرز الأهمية الكبيرة التي توليها إيران للقضية اللبنانية، التي قد تتحول من وجهة نظرها إلى هزيمة سياسية واستراتيجية أخرى. ووفقاً لمحللين لبنانيين، قد تعرض إيران على الولايات المتحدة الموافقة على “إلقاء حزب الله لسلاحه” مقابل استئناف المفاوضات بشأن رفع العقوبات والتوصل إلى اتفاق نووي جديد. مع ذلك، يبقى مشكوكاً فيه قبول ترامب لهذه المعادلة التي لا تقدم أي حل للقضية النووية.
في بيروت ينتظرون الآن زيارة أخرى لوزير الخارجية الإيراني، التي قد توضح مسار إيران وما الموقع أن يكون عليه مستقبل حزب الله. حرب في لبنان الآن قد تخرج حبة الكستناء من النار من أجل إيران.



