مقاربات فكرية بين المنطق واللامنطق.. تنوع الأساليب العدوانية وأدواتها المقنعة/ الجزء (4-10)

“المدارنت”..
يحمل العقل العربي المضطرب، دائما، كلمة تبرر الحيرة، كلمة ولكن! يعلنها في تطبيقاته الفكرية والمعرفية، لأن العدو جعله مشغولا في ما زرعه العدو من تجاذبات فكرية وثقافية على مستوى الامة، حيث صنع منها شعوبا تتمايز بلهجات منفصلة عن اللغة الأم، وتتمايز بثقافات متعارضة، إضافة إلى قوميات واديان، مما أدى الى استنبات مؤثرات مذهبية وطائفية سلبية متصارعة، قد فرزها منبت العدوانية فرسا وروما، زارعا الوهم الصامت في نفوس العامة، ذاهبًا في غايته إلى التأكيد على أن العقل العربي، عاجز وغير مؤهل لقيادة حضارة عربية عالمية، حضارة إنسانية. دافعا بذلك من خلال تطبيق منهج فكري مقنع، استغلالي مدسوس، منهج وضيعي تخريبي، تطبيقا لشعارات ومصطلحات واهية، كالتحديث والتطوير، إلى جانب ما يسمى مقاومة العدو وتحرير الأرض.
كل ذلك، اعلانات مقنعة لبثّ روح الفرقة والانقسام التي بدورها جعلت من العقل عقولًا، فتاهت الأفكار متداخلة متشابكة، مما حوّل الحق باطلا والعدل ظلما. ذاهبون إلى تحقيق فكرة، أن لم تكن معنا فأنت عدونا، واسقطوا ذلك المنهج الفكري على عقل وتفكير الامة والمجتمع ،إلى ان طال الفرد داخل الأسرة الواحدة. فزادوا الفتنة اشتعالا، والتشعب تشعبا، ومزقوا الأمة أشلاء، معنويا وماديا.
يتحدثون عن الشرعية الدولية، والتي هم صانعوها، ويحتجون بفصل النزاع بين الدول، ويزعمون انهم تنويريون صانعو الحداثة العلمية التطويرية، من خلال استخدام إعلام مأجور للإعلان عما يخططون من رسم منهج انساني فاضل، يمثل المساواة فى الاخوة والعدالة والحرية، ولكن الواقع الموضوعي لحقيقة الأمر، تمثلت ببالونات هوائية فارغة، والحقيقة الماثلة في ذاكرة الأجيال العربية المتتابعة، وعلى مرّ التاريخ، هو ذلك الوجه الاستعماري البغيض، حيث لا يمكن مَحوه مهما تقنع بالتدين والتحرير والمساعدات الإنسانية.
لقد شكل ذلك العداء طبقة الاستكبار الرأسمالي، بالاعتداء والنصب والنهب والتزوير، محققا مصالحه الخاصة، داخليا وخارجيا، وهذا ما ينقض الحقيقة الحقة في المصلحة العامة، والتي هي مصلحة المجتمع والامة. زد على ذلك توسع العداء من خلال حركة تقنية علمية، من تلون الأساليب المستخدمة لتحقيق الصراع الدائم والقهر الاجتماعي، فقد نشرت نظريات “أيديولوجية” متقابلة، ووزعت مدارس فلسفية مختلفة متعاضة، تحت مسميات مؤثرة، كالجمر تحت الرماد، يخلخل الأفكار بين الشعوب والمجتمع والافراد، على الصعيدين: القومي والديـني.
هكذا وجّهت الشعوب المقهورة نحو الثورة ونحو المقاومة، بوجوه متلونة، طائفيا ومذهبيا، حيث أدى الى مواجهة ونزاعات بين الفرق والأحزاب بما حملته من تلك النظريات “الأيديولوجية”، والمدارس الفلسفية الدينية، وهكذا فقد ارتدت الشعوب العربية ما أراده لها ذلك العدو أن تكسو جسدها العاري. ولكنها ومهما اكتست فعورتها مكشوفة.
لقد اعتمد عدو الأمة، مؤكدا ضرورة اخذ الشعوب العربية وحضنها ثم تجييشها وربطها بأحداث مزورة منذ فجر التاريخ، فارضة عليها منذ انطلاقتها الأولى التشبث بثقافة الموروث، قبليا وعائلية، مع التمسك بحدود التقليد، الجامد المتحجر، حيث تجذر الصراع داخل زواري وشعب الامة، وارتاح العدو خلف منظار المتفرج والداعم المساند لذلك الصراع الداخلي الذي دفعوه في اتجاهين عداءيين متنازعين.
الأول تمثل في الخطاب الديني، وتقوده المؤسسات الدينية، واحزابها وحركاتها المتلونة والمتناحرة فيما بينها، حيث يأخذ كل، بنصّ آية قرآنية، أو حديث، “لا ندري إن كان صحيحًا أو ضعيفًا). والغاية من ذلك، نقض الآخر وتخطئته، معتمدا ولاهثا كل منهما خلف حكايات وقصص وأساطير، لم ينزل الله بها من سلطان، بعيدة عن النصوص القطعية اليقينية، فشوهت الشريعة وضعفت قوانينها، وأدّت إلى تهشيم العقل، فكرًا ومعرفة، ثم ذهبت بافتاءاتها نحو مصالحها الذاتية الفردية، ومصالح ساداتها، مدنيّين ودينيّين، مطلقين عليهم درجة علماء، واهمين أنفسهم انهم أهل علم ومعرفة، وهم من ذلك براء.
أما الاتجاه الثاني، فقد تمثل في لخطاب القومي، للحزبيّين المثقفين المدنيّين العلمانيّين، حيث تقطر فكرهم بإطار قومي، متنوع متعدد، منطلقا من تلك النظريات “الأيديولوجية”، المتقابلة الأفكار والمفاهيم، والمتصارعة فكريا ونظريا، وعلى سبيل المثال: “محور الخلاف، الوحدة قبل الحرية، أو العكس.. الخ).
إلى جانب هذا الخلاف والصراع، يقوم الصراع مع منتجات الخطاب الديني، ايضا، وهكذا تتمدد شبكة الصراع وتتسع، محوّلين الأمة ساحة من الصراعات والنزاعات المتداخلة التي لا يمكن لها أن تنتهي، وكل ذلك يعمل على تحقيق غاية اهدافهم في جعل العقل العربي، عقل عقيم غير منتج، وإذ انتج فلا بدّ من أن ينتج فكرا قلقًا مضطربًا، يجعل النفوس منفعلة غير فاعلة، ويجعلها، ايضا، هائجة ساذجة، مائجة، لا تعرف الهدوء ولا الراحة ولا السكون، مخلفين شعوبا فارغة غوغاءية انفعالية، مما عكس تطرفا وتعصبا لا إنسانيا، على صناعة وبناء الإنسان الفرد، فعكس اللامنطق على هيكلية البناء القويم في الأسرة والمجتمع والامة.
لقد أثبتت الوقائع والأحداث التاريخية، أن كلا الاتجاهين، من تيارات وأحزاب وحركات، قومية أو دينية، قد أكدت فشلها الكفاحي والنضالي، بسبب عدم انتاجيتها الفكرية النهضوية، كما وانها سبب من أسباب بلاء الأمة، في تخلفها وتقهقرها، وفي مجاملاتها للانصياع لمخططات اعداء الامة، المرسومة في وثائقها الدولية، حيث تسلم ازلامها العملاء خريجو كلياتها الحربية زمام أمر دولنا، مصحوبين بالخطب المعد لهم، وبالادوار المخطط لهم تنفيذها، اضف إلى ذلك، ما حملوهم من دساتير بلداننا وقوانينها الملزمة في تنفيذها، والتي تقبل التأويل والتحريف، حيث تأخذ وجه عديدة بالمعنى والدليل، مما يؤجج الخلاف بين اؤلاءك الزعماء العملاء “المدرسية الفرنسية أو الإنكليزية”، مثالنا: دولة لبنان، علاقة جدلية بين المنطق واللامنطق، كوننا أبناؤه.
أمثالنا على مدٍ عينك والنظر، أولئك المتربعون على موائد الإفقار والتفكك الاجتماعي، والانحلال الاخلاقي، هم ثغرة إدخال تلك الأفكار والثقافات العدائية، قوميًًا ودينيًا، وفق برامج ومناهج ما حملته دراساتهم المخبرية، الآخذة إلى زعزعة استقرار أركان الأمة، عقيدة وهوية، فكرًا وثقافة، عادات واعراف.



