مقالات

من سردية الهوية إلى استراتيجية الفعل ـ التشخيص ونقد الإرث/ الجزء (1)

معتز فخر الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”

مقدمة: بين أطروحات الرواد وسؤال اللحظة
لم يكن “المشروع العربي” يومًا فكرة عابرة في الفكر الحديث. فقد انشغل به مفكرون كبار، كلٌّ من زاويته وسياقه التاريخي:
ـ قسطنطين زريق، رأى فيه مشروع نهضة حضارية يقوم على الوعي بالتاريخ والصدمات الحضارية.
ـ ساطع الحصري، أسّسه على رابطة اللغة والهوية الثقافية بوصفها قاعدة الأمة.
ـ ميشيل عفلق، حمّله بعدًا رساليًا جمع بين الوحدة والحرية والاشتراكية.
ـ نديم البيطار، حاول إدخال الفكرة القومية في امتحان الحداثة السياسية، فربطها بالدولة، والشرعية، والمؤسسة.
ـ محمد عابد الجابري، أعاد طرح الإشكال من مدخل نقد العقل السياسي العربي.
ـ برهان غليون، وعزمي بشارة، اشتغلا على علاقة الدولة بالمجتمع، وعلى مأزق الانتقال الديموقراطي.
مع ذلك، معظم هذه الطروحات وُلدت في سياقات مختلفة عن سياقنا الراهن: إما في لحظة صعود تحرري بعد الاستعمار، أو في لحظة مراجعة لانكسار تلك التجربة.
اليوم، لسنا في لحظة تحرر “كلاسيكي”، ولا في لحظة نقد للهزيمة فحسب. نحن أمام تحولات بنيوية في النظام الدولي نفسه، حيث لم تعد الهوية وحدها مصدر قوة، ولم تعد الدولة القطرية المنعزلة قادرة على الصمود، ولم تعد الوحدة العاطفية تنتج فعلًا تاريخيًا.
الفرق الجوهري: الطرح التقليدي للمشروع العربي انطلق من سؤال الهوية أو الوحدة، أما الطرح المقترح هنا فينطلق من سؤال القوة والبنية. لم يعد السؤال: “من نحن؟”.. بل: “كيف نتحول إلى فاعل منظم في عالم تحكمه التكتلات، الاقتصاد المعرفي، “التكنولوجيا”، وتحالفات المصالح؟”.
بهذا المعنى، لا يأتي هذا المقال ليضيف تعريفًا جديدًا للعروبة، بل ليعيد إدراجها في معادلة الدولة الحديثة، والمؤسسة الديموقراطية، والاقتصاد المنتج، والتحالف الاجتماعي. إنه انتقال من سردية الانتماء إلى هندسة الفعل، ومن الشعور القومي إلى استراتيجية القوة.

أولًا: سؤال اللحظة التاريخية
لم يعد سؤال “المشروع العربي” ترفًا فكريًا، يُستدعى في مناسبات الحنين القومي، ولا شعارًا يُرفع في مواجهة خصم خارجي. بل أصبح ضرورة تاريخية في لحظة تتكثف فيها التحولات الدولية، وتُعاد صياغة موازين القوة على أسس اقتصادية وتكنولوجية وأمنية جديدة.
العالم يتغير بسرعة غير مسبوقة. النظام الدولي يعيش أزمة شرعية عميقة، والقوة تُعيد تعريف القانون، والتحالفات لم تعد ثابتة بل مرنة ومصلحية. في هذا السياق، يبدو المجال العربي أكثر هشاشة من أي وقت مضى: دول مأزومة، مجتمعات منقسمة، اقتصاديات ريعية، وفضاء سياسي مشظّى بين استقطابات إقليمية ودولية.

السؤال إذًا ليس: أين هو المشروع العربي؟
بل: هل ما يزال العرب يمتلكون القدرة على إنتاج مشروع تاريخي جامع؟
لقد ملأت الفراغ مشاريع أخرى، لكنها ليست جميعها من نوع واحد. هناك فرق جوهري بين مشروع إقليمي لدولة ذات ثقل (تركيا)، ومشروع ثوري عقائدي يعبئ الهوية (إيران)، ومشروع تفكيكي استيطاني وجودي (إسرائيل). الخلط بينها يضعف التشخيص. المهم أنها جميعًا تتعامل مع المجال العربي بصفته ساحة نفوذ لا شريكًا ندًّا.
المشكلة ليست في غياب الخطاب، فخطابات الهوية لا تزال حاضرة بكثافة. المشكلة في غياب الرؤية الاستراتيجية التي تربط الهوية بالقوة، والشعور القومي بالبنية المؤسسية، والانتماء الثقافي بالقدرة على الفعل.

ثانيًا: ماذا كان المشروع العربي؟ – تفكيك الإرث من دون هدم الفكرة
لكي نعيد بناء المشروع العربي، لا بد من تحريره أولًا من الأسطرة والشيطنة في آنٍ معًا. فالتجربة القومية العربية في القرن العشرين لم تكن وَهمًا كاملًا، كما لم تكن خلاصًا تاريخيًا مُجهضًا بفعل المؤامرة وحدها. كانت محاولة حقيقية لصياغة ذات جماعية في مواجهة الاستعمار، لكنها تعثّرت حين اصطدمت بحدودها البنيوية.

1/ لحظة التأسيس: التحرر والوحدة والعدالة
نشأ المشروع العربي الحديث في سياق مقاومة الاستعمار، فحمل في جوهره ثلاثة مرتكزات كبرى:
ـ التحرر الوطني: استعادة السيادة من القوى الاستعمارية.
ـ الوحدة العربية: تجاوز التجزئة التي فُرضت على المنطقة.
ـ العدالة الاجتماعية: بناء دولة قادرة على توزيع الثروة وتحقيق الكرامة.
وفي قلب هذه المنظومة تموضعت القضية الفلسطينية بوصفها معيارًا أخلاقيًا للمشروع ومحرّكًا تعبويًا جامعًا.

2/ أين تعثّر المشروع؟
لكن التحول من حركة تحرر إلى دولة حكم كشف عن فجوة عميقة بين الخطاب والبنية:
ـ تحوّلت الدولة في كثير من التجارب إلى دولة أمنية مركزية أكثر من كونها دولة مؤسسات.
ـ غاب التداول السلمي للسلطة، فتَشخْصَن المشروع واختُزل في الزعيم.
ـ لم يُبنَ اقتصاد إنتاجي مستقل، بل استُبدل الاعتماد الاستعماري باعتماد ريعي أو مركزي هش.
ـ تراجعت فكرة المواطنة لصالح الولاء السياسي أو “الأيديولوجي”

.

٣. الإشكال البنيوي
المشكلة لم تكن في فكرة العروبة ذاتها، بل في غياب ثلاثة عناصر حاسمة:
1/ الديموقراطية كآلية تصحيح مستمرة.
2/  المؤسسة كضامن للاستمرارية.
3/ الاقتصاد المنتج كقاعدة للسيادة.
عندما غابت هذه العناصر، تحوّل المشروع من إطار تحرري إلى خطاب تعبوي، ومن أفق استراتيجي إلى ذاكرة عاطفية.

ثالثًا: الفراغ الذي ملأته المشاريع البديلة ـ حين يغيب الفاعل العربي
في السياسة، لا وجود لفراغٍ محايد. كل فراغ هو دعوة مفتوحة لفاعل آخر. وحين تراجع المشروع العربي بوصفه إطارًا استراتيجيًا جامعًا، لم يبق المجال خاليًا؛ بل أعادت قوى إقليمية صياغته وفق مصالحها.
1/ المشروع الإيراني: العقيدة بوصفها مشروعًا ثوريًا عابرًا للحدود
قدّمت إيران نموذجًا لمشروع إقليمي قائم على المزج بين العقيدة والسياسة، وبين الهوية الدينية وأدوات الدولة الثورية. استطاعت أن تبني شبكات نفوذ عابرة للحدود مستفيدة من هشاشة الدولة الوطنية في أكثر من ساحة عربية. قوتها لم تكن في التفوق الاقتصادي، بل في وضوح الرؤية الاستراتيجية، واستثمار طويل النفس في أدوات التأثير غير التقليدية.

2/ المشروع التركي: تنافس إقليمي بغطاء قومي-اقتصادي
أعادت تركيا تعريف دورها الإقليمي عبر خطاب يجمع بين القومية والمصلحة الاقتصادية والتوظيف الرمزي للتاريخ. لم تطرح مشروعًا أيديولوجيًا صلبًا، بل شبكة نفوذ مرنة تقوم على الاقتصاد، والصناعات الدفاعية، والدبلوماسية النشطة. هي منافس إقليمي، لا مشروع وجودي مضاد.

3/ المشروع “الإسرائيلي”: تفكيك المجال العربي كاستراتيجية بقاء
“إسرائيل”، ليست مجرد مشروع إقليمي منافس، بل هي مشروع استيطاني استعماري قائم على نفي الآخر. لم تطرح يومًا مشروعًا للمنطقة، بل مشروعًا على حساب المنطقة. قوتها تقوم على التفوق النوعي في التكنولوجيا والاقتصاد المعرفي، والتحالف العضوي مع القوة الغربية، لكنها في جوهرها قوة تفكيك لا بناء. التطبيع ليس اندماجًا، بل إعادة هندسة للمجال العربي بما يخدم أمنها وتوسعها.

4/ النتيجة: العرب كساحات لا كقوة
المشترك بين هذه المشاريع أنها جميعًا تتعامل مع المجال العربي بوصفه فضاءً قابلًا لإعادة التشكيل. الاختلاف ليس في الدرجة، بل في النوع: منافس إقليمي، ثوري عقائدي، ومشروع استيطاني وجودي.
غياب رؤية عربية مضادة واكتفاء الدول بإدارة أزماتها الداخلية أو التموضع ضمن توازنات خارجية يجعل السؤال النهائي ليس عن حدود النفوذ الإيراني أو التركي أو الإسرائيلي، بل عن غياب مركز عربي قادر على إنتاج توازن ذاتي.

يُتبع في الجزء الثاني: “من التشخيص إلى البناء/ ركائز المشروع العربي الجديد”، حيث ننتقل من التحليل إلى رؤية استراتيجية شاملة قائمة على الدولة الحديثة، الاقتصاد المنتج، فلسطين في هندسة القوة، ودور المثقف والمجتمع.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى