أهل السُّنة.. بين ماضٍ عظيم وواقع أليم!

خاص “المدارنت”
عندما نتحدث عن أهل السُّنة؛ لا نعني طائفة من طوائف الإسلام، إنما نعني أمة الإسلام، وهذا بلسان أعداء الطائفة الذين ما استكانوا طيلة أربعة عقود من الزمن؛ وهم يشوّهون الصورة الحقيقية والناصعة والظاهرة للعيان، بأن أهل السُّنة هم أرقى وأتقى وأنقى الطوائف في كل البلدان والأمصار، إلا أنهم (الأشقى) في كثير من الأمصار وخصوصاً في لبنان.
نعود إلى لبنان، وما يعانيه أهل السُّنة من تهميش واستغلال وتجاهل من باقي الطوائف؛ مع أنهم يشكلون 51% من سكان لبنان، والأغلبية في التصويت داخل صناديق الإقتراع.
ما يفوق المئات من الوظائف الإدارية والحكومية؛ فقدها أهل السُّنة؛ وحُرِموا منها بسبب تسلّط عهد أسود مرّ على الحكم في لبنان، قضم كل الحقوق وسلبها من الطائفة لصالحه وصالح تياره وحلفائه؛ وتدخّل في أدق التفاصيل؛ حيث ضيّق الخناق على كل أبناء الطائفة في كل الوظائف العامة، حتى أنه لم يسلم منه السلك الأمني والعسكري إلا من كان يصفق له ويهتف باسمه..
كل ذلك تحت سمع وبصر مرجعيات الطائفة الإسلامية السُّنية، وبعلمها، دونما أن تحرك لذلك ساكناً، بل ربما كان هناك توافق وتطابق تحت الطاولة، أو فوقها، فالأمر سيان، لأن الميت ميت، حتى لو ضربته!
لم نسمع من مرجعياتنا إلا المناداة بالعيش الواحد والمشترك، وأن معركتنا هي الأدب، وسلاحنا العلم والقلم، بينما كان غيرنا من الطوائف الأخرى يسطون على ما تبقى من مقدرات الوطن وأمواله، غير آبهين لا بعيش واحد، ولا مشترك، فالمشترك بين بعضهم البعض من حلفاء وندماء، هو السرقة والسيطرة على كل مفاصل الدولة، والتمسك بها، في حين كنا نحن نتغنّى بالسماء الزرقاء والبحر الأزرق..
إن غياب المرجعيات السياسية والدينية عند أهل السُّنة؛ سمح للغير باستباحة الحقوق لها والتعدي على حقوقها، وإن حضرت هذه المرجعيات، فالصمت هو كل ما تقوم به، للأسف..
تنقسم المرجعية عند أهل السُّنة في لبنان إلى قسمين:
1/ رئاسة الحكومة (مرجعية سياسية)
2/ دار الفتوى (مرجعية دينية)
والإثنتان مكملتان لبعضهما البعض، إن ضعفت واحدة تؤازرها الأخرى، ولكن، للأسف، في لبنان المرجعيتان في ضعف وحالة ضياع.
فالأولى، تحتاج إلى من يرأسها بقلب جسور ونفس مطمئنة لقراراتها؛ وعقل عاقل مدرك لكل ما حوله، وموقف صلب يتوافق مع مصالح الطائفة الإسلامية السّنية، من دون تخاذل وتراجع، وتواصل وتنسيق مع المرجعية الثانية، والوقوف على قراراتها، والإلتزام بالرؤية التي تؤيدها لجلب المصالح والمنافع، وتدر بالخير والحق على أهلها..
والثانية، يجب أن تتجرد من الغوص في السياسة، فالمفتي، اليوم، مع مفتي المناطق، أصبح رجلاً سياسياً، بلباس شرعي وديني، ولا ضير في العمل في السياسة على أن تكون من الكماليات، لا من الضروريات، ولتُعطى المؤسسة الدينية رونقها وهالتها التي كانت عليها في السابق؛ حيث كان المنصب ديني بحت، وكان ولي الأمر الذي استأهل المنصب يهتم بشؤون الطائفة ومشكلاتها الدينية والإجتماعية، ويبحث في الأمور الدينية، فيصدر الأحكام، ويجتهد في التشريع، ويصدر الفتاوى، ويسهر على راحة الرعية وسلامة عقيدتهم..
أما ما نراه اليوم، من (إستقبل.. ودّع.. رعى.. صدر..)، وغيرها من التغطية الإعلامية والسياسية، فهي لا تسمّن ولا تغني من جوع، وما هي إلا مادة إعلامية للعرض والنشر والتوزيع، إن المنصب الوحيد الذي يحمل لقب (الجمهورية) الرديف لمنصب الرئاسة الأولى (رئيس الجمهورية) هو منصب (مفتي الجمهورية اللبنانية) من هنا، يجب علينا أن نعي وندرك أهمية المنصب ورفعته ومقامه..
فصاحب السماحة، عليه أن يلتفت إلى شؤون الطائفة وشجونها، إلى مآسيها، معاناتها، يومياتها، إن الملفات ضخمة وكثيرة، ولا يعلم بالحال إلا الله، ولكن علينا أن نتدبر قول الله تعالى: “وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ” (سورة الصافات/ 24)”.
إن أنين الأمهات العجائز، وحنين النساء الزوجات والأخوات، ودموع البنين والبنات وتشوقهم لآبائهم وإخوانهم القابعين في السجون المظلمة، بمظلمة ومن دون محاكمة، تستدعي إيقاظ الضمير في نفوس ولاة الأمور، وصحوتهم من غفلتهم، وإنقاذ أنفسهم من التهلكة، وإنعاش هذه الطائفة المكلومة والمظلومة التي هدرت حقوقها، حيث تقف الطوائف الأخرى على جثتها الهامدة، وتقول، نحن مظلومون، نحن أقليات مهضوم حقنا، نحن ونحن، ومن نحن؟
فالواجب الإمساك بكل الملفات الصغيرة قبل الكبيرة، ومحاسبة كل من أقصى أي موظف سنّي، حتى لو كانت وظيفته (بواباً)، لقد طفح الكيل، فغيرنا من الطوائف، يصول ويجول، ويسعى لـ(تشليحنا) كل ما نملك من أبسط الحقوق، وسلبها، وتركيب الملفات، ومحاسبة وفبركة تهم والسجن عليها، بحق وبغير حق، بينما غيرنا، بميليشياته، ومافياته، وعصاباته، حرٌّ طليقٌ، يتحدّى قرارات الدولة، بل يهدد ويرغي ويزبد..
رغم كل الذي مضى، بمرارته وسوداويّته، على الطائفة الإسلامية السّنية، هناك جرعة أمل من خضم الألم، فلا بد من الإصلاح وشدّ العصب والتلاحم والتراحم بين أبناء الطائفة الواحدة بكل مكوناتها، خصوصاً، بعد التحوّل الكبير الذي حصل في المنطقة، والفضيحة المدوية للغرب وأميركا في المحاضرة بالعفّة والطهارة وتدريس الديموقراطية، لبلادنا وحكامنا (فضيحة إبستين)..
آن الأوان، للصحوة من أولي الأمر لأهل السُّنة، وترميم ما آلت عليه الأمور فيها، والمسارعة في معالجتها، فلم يعد هناك متسع من الوقت للإنتظار، فالمبادرة يجب أن تكون سريعة وناجعة، والله المستعان في ذلك، وهو ولي الأمر والتدبير..



