مقالات

الأحزاب والسياسة في سوريا مرة أخرى!

الرئيس السوري أحمد الشرع

“المدارنت”
حين اندلعت الثورة الشعبية في سوريا، آذار 2011، كانت العلاقات التركية مع نظام (الطاغية المخلوع بشار) الأسد في أحسن حالاتها، وقام أحمد داوود أوغلو بزيارتين لدمشق، قدم في أولاهما لبشار الأسد نسخة من الدستور التركي، وأخرى من قانون الأحزاب في تركيا، ناصحاً إياه بإجراء إصلاحات سياسية عاجلة، من شأنها أن تبقي على نظامه في مواجهته الصعبة مع الشعب الثائر.

أما في زيارته الثانية التي تمّت في شهر آب 2011، واستمرت لسبع ساعات كما ورد في كتاب السفير التركي الأخير في دمشق عمر أونهون، فقد تم الاتفاق بين الرجلين على سحب الجيش من مدينتيْ حماة ودير الزور، على أن يُعاين السفير التركي في دمشق، التنفيذ ميدانياً، إضافة إلى طرح خارطة طريق على الشعب السوري من أجل تجاوز الأزمة، وإصدار قانون ينظم الحرية الإعلامية، والسماح للمعارضين السوريين في المنفى بالعودة إلى بلدهم.

الأسد الذي ربما استلهم النصائح التركية في تعديلاته الدستورية التي أجراها في 2012، بتأخير عام كامل، وشملت إلغاء دور “حزب البعث” الثابت في «قيادة الدولة والمجتمع» وإقرار التنافس على منصب رئاسة الجمهورية في الانتخابات، فشل في الإيفاء بتعهداته لتركيا، بسحب الجيش من المدن، والعمل على تهدئة الوضع من خلال التفاوض مع المعارضة، وكذا فيما خص البنود الأخرى المشار إليها.

يمكننا الافتراض، بناءً على هذه السابقة، أن تكون الحكومة التركية قد قدمت «الوصفة الديمقراطية» نفسها، في نموذجها التركي، إلى سلطة دمشق الانتقالية التي تتمتع أنقرة بنفوذ قوي عليها. وإذا صح هذا الافتراض فمن شأنه أن يفسر استعجال (وزير الخارجية السورية) أسعد الشيباني، لتشكيل كيان سياسي في بنية وزارة الخارجية، حمل اسم «الهيئة العليا للشؤون السياسية» بعد شهور قليلة على استيلاء “هيئة تحرير الشام” على السلطة في دمشق، وشاع في وسائل الإعلام المقربة من السلطة، أن الاستعدادات جارية لتأسيس حزب سياسي بناءً على «الهيئة».

لكن «الهيئة» المذكورة، قد تمّ حلّها «على الساكت» قبل حين، من غير تقديم أي تفسير لهذا التراجع. ثم جاء انعقاد «مجلس الشعب» بعد قرابة عام على «انتخاب» ثُلثيه من قبل هيئات ناخبة محلية اختارت أعضاءها اللجنة العليا للانتخابات، التي كان أحمد الشرع قد عيّنها. واتضح بصراحة أن السلطة ترفض فكرة وجود أحزاب أو تكتلات سياسية داخل «المجلس».

واضح إذن أن ثمة مقاربتين بشأن ماهية الحياة السياسية «المقبولة» في سوريا، تحت حكم الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الأولى تركية، إذا صحت الفرضية المطروحة أعلاه، وتقوم على وجود أحزاب سياسية، بينها حزب للسلطة كان الشيباني مكلفاً بتشكيله، يكون الحزب الأكبر شعبية، بما يضمن فوزه في أي انتخابات قادمة في نهاية المرحلة الانتقالية، ويشكل ضمانة لاستمرارية حكم جماعة السلطة بواسطة صناديق الاقتراع.

أما المقاربة الثانية، فهي أكثر توجساً من قيام حياة سياسية تعددية لا ضمانات فيها للاستمرار في السلطة. يمكن افتراض أن هذه هي مقاربة أحمد الشرع، إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما تسرب مؤخراً عن رغبته في إقامة نظام ملكي في بداية استيلائه على السلطة، ثم تراجعه عن ذلك بناء على نصائح دول داعمة.

فالظهير التركي صاحب تجربة سياسية غنية، تمتد حياته السياسية القائمة على تنافس الأحزاب إلى مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، تقطعت بانقلابات عسكرية دورية جعلت الأتراك يتمسكون بصناديق الاقتراع، مهما شابت تجربتهم الديمقراطية من عيوب ونواقص. هذا مما يعزز الافتراض بشأن المقاربة التركية التي يبدو أنها تراجعت حالياً لصالح المقاربة الأخرى التي يمكن القول إنها أقرب إلى نسخ النموذج الأسدي، الذي لا يعرف جيل الحاكمين الجدد غيره لأنهم ولدوا وعاشوا في ظله، فكان بالنسبة لهم كالهواء الذي تنفسوه، حتى لو كان هواء فاسداً قاتلوا للخروج منه، غير أن ما حدث عشية اجتماع المجلس التشريعي، يجعلنا نتمهل قليلاً قبل إطلاق أحكام نهائية على غلبة المقاربة الثانية على الأولى.

فقد أفادتنا التسريبات الوافرة بأن أول «معركة سياسية» قد خيضت عشية اجتماع المجلس، وكان موضوعها اختيار رئيس للمجلس ومكتب رئاسة، إضافة إلى نواظم التصويت. فقيل إنه تم اختيار عبد الحميد العواك للرئاسة على الضد من رغبة الشرع، وجاءت نتائج التصويت لتكرس هذا الاختيار. كذا بشأن ما يتم تداوله عن «تكتل حلبي» ظهر في نشاط مجموعة “واتس آب” قام بتشكيلها أعضاء المجلس قبيل انعقاده، كان يطالب برئاسة المجلس.

معنى ذلك هو أن السلطة مهما حاولت التفرد بالحكم، وبرسم المشهد السياسي من خلال إلغاء فكرة التعددية السياسية والتنافس بين الأحزاب على تداول السلطة، ستفشل في ذلك. فإذا تمكنت من كبت التيارات المعارضة بالقوة، أو بقوة قوانين مقيّدة، ستجد هذه لنفسها مسارب أخرى بعيداً عن سيطرة السلطة، كما كانت عليها الحال إبان حكم نظام الأسد. فإذا واجهتها السلطة بالقمع لا شيء يضمن عدم تحولها من حركات سياسية «سرية» إلى توسل السلاح والعنف لمواجهة السلطة التي لم تترك لها أي منافذ شرعية. التجربة السورية في ظل نظام الأسد، مرت بكل هذه التحولات، ويمكن التعلم والاعتبار منها لمن أراد ذلك.

بكر صدقي/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى