الخطر “الإسرائيلي” على سوريا باقٍ ويتمدّد!

“المدارنت”
تستمرّ فصول العدوان الإسرائيلي على سورية، قضماً للأراضي، وتعدّيات على المواطنين السوريين، ثمّ أخيراً قصفاً لمطارات عسكرية في سورية. ويبدو أنّ التصريحات الأميركية، التي تطلب من نتنياهو التوقف عن تعدّياته على الأراضي السورية، لم يستجب لها. وباتت هذه المواقف الأميركية غير جدّية، ولا تدخل في حالة المنع، أو الوصول إلى تفاهم أمني ما مع سورية، بل ما زالت أميركا تترك إسرائيل تصول وتجول من دون تعاطٍ جدّي معها، لوقف هذه التعدّيات.
وبالرغم من المطالب التركية المستمرّة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخّل لوقف التعدّيات، لا نجد إلّا مزيداً من العربدة الإسرائيلية، وكثيراً من الانفلات من كلّ عقال، والعبث في جلّ الأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل بعد 8 ديسمبر/ كانون الأوّل 2024، وأيضاً ما يحيط بها في درعا وريف دمشق.
لعلّ إسرائيل تدرك تمام الإدراك مستوى الضعف العربي الكلّي، وتبعثر أوضاع جامعة الدول العربية، وعدم القدرة على مواجهتها، كما باتت تعي أنّ الشرق الأوسط الجديد الذي تريده الحكومة الإسرائيلية الحالية المتطرّفة لا يوجد من يمكنه وقفه، أو لجمه عن المضي نحو ما يريد.
ولقد بات نتنياهو، ضمن ديناميات انتخاباته المقبلة التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى، في حالة إصرار على التعدّي المستمرّ على لبنان وقطاع غزّة والضفّة الغربية. وينفلت المستوطنون الصهاينة ضدّ الشعب الفلسطيني، ليفعلوا ما يحلو لهم. وكذلك الوضع مع سورية، حيث تكثّف إسرائيل تعدّياتها على الأراضي السورية، ضمن سياسة إسرائيلية انتخابية تريد أن تقول للناخب الإسرائيلي إنّ حكومة نتنياهو هي وحدها القادرة على الهيمنة على جلّ المنطقة العربية، وليس سواها من أيّ حكومات قد تأتي إبّان الانتخابات المقبلة.
لا يمكن التخلّص من الخلل البنيوي في سوريا
من دون سياسة عقلانية متواصلة
ودعم خارجي جدّي
المشكلة الأساس لدى حكومة دمشق هي الضعف في العتاد، ما يمنع أيّ إمكانية حقيقية للتصدّي للعدوان الإسرائيلي، كما أنّ الدعم التركي ما زال متردّداً وضعيفاً عبر سياسة تركية لا تريد مواجهةً مباشرةً مع الإسرائيليين، لكنّها في الوقت نفسه تودّ أن يقف الحكم الجديد في دمشق على رجليه، ويبني سورية الناهضة القوية.
وبالطبع، لا تريد إسرائيل نهوضاً سورياً حقيقياً، إذ تعتقد إسرائيل أنّ قوّة سورية قد تكون خطراً كبيراً عليها في المستقبل، وضمن حالة إعادة بناء تحالفات جديدة في المنطقة، لا يبدو أنّها أصبحت بعيدةً بعد توقيع اتفاقية مكّة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا، على الرغم من التصريحات السورية، وعلى أعلى المستويات، بأنّ سورية لا تريد حروباً مع أحد، وأنّها تسعى إلى التهدئة والوصول إلى تفاهم أمني مع إسرائيل ووقف الحروب معها.
ضمن هذا المشهد المتحرّك، تجد سورية نفسها في حالة خطر دائم بوجود إسرائيل المتطلّعة نحو الهيمنة والتغوّل على المحيط الإقليمي، بعد حروبها الكثيرة ضدّ قطاع غزّة، وضدّ إيران ولبنان، وأنّ وقف هذه المخاطر بات ضرورياً وجدّياً، إذا ما أرادت سورية النهوض وبناء المؤسّسات، والتصدّي للتحدّيات الداخلية والخارجية، ومنها أوضاع الجنوب السوري وإشكالية حكمت الهجري والسويداء، بالرغم من بعض الانفراجات في هذا الملفّ الشائك، وكذلك أوضاع شمال شرقي سورية، حيث وُقّع اتفاق 29 يناير (2026)، ويُطبّق حالياً، لكن معوقات وعثرات كثيرة ما زالت تعتريه.
الدعم التركي ما يزال متردّداً وضعيفاً
عبر سياسة تركية لا تريد
مواجهةً مباشرةً مع “الإسرائيليين”
ًويبدو أنّ الخطر الإسرائيلي الداهم ما زال يحمل إمكانية الاستمرار زمناً طويلاً، وليس هناك وجود لمظاهر أو دلائل تشير إلى اقتراب توقيع اتفاق أمني جديد مع إسرائيل، أو لعلّه سيكون تحديثاً لاتفاق فضّ الاشتباك الموقَّع معها في عام 1974، الذي أهالت إسرائيل عليه التراب، بعد فرار بشّار الأسد إلى موسكو.
ما يزال الخطر الإسرائيلي موجوداً، ويتمدّد ويتحرّك باستمرار، ولا يبدو أنّه بصدد وقف تعدّياته وعدوانه المتواصل، وهذا الموضوع بات يقلق السياسة السورية ويمنعها من التحرّك باتجاه بناء الدولة السورية الجديدة والوليدة، وإعادة توحيد سورية، وترميم المؤسّسات المنهارة، ومن ثمّ الاشتغال على نهوض وطن سوري كاد أن ينهار، قبل رحيل بشّار الأسد.
واليوم، هناك تحدّيات كبيرة وكثيرة أمام الحكومة الجديدة، وهناك خلل بنيوي داخل الدولة السورية لا يمكن أن تتخلّص منه من دون سياسة عقلانية ودبلوماسية ممتدّة ومتواصلة، ودعم خارجي جدّي وصادق، ليس بالبيانات والشعارات. ولا بدّ أن يكون الحراك على هدي مسار العدالة الانتقالية في سورية، الذي ما زال بطيئاً على الرغم من تواصل المحاكمات والأحكام لبعض رجال النظام الذي أجرم بحقّ الشعب السوري على مدى حكم نظام الأسدَين.
المجرم يجب ألا يبقى طليقاً، ولا يمكن له ذلك، وقانون العدالة الانتقالية الجديد لا بدّ أن يصل عاجلاً إلى مجلس الشعب الجديد ليكون من الأولويات على طاولة النقاش والإصدار، وهناك مهام كثيرة أمام الحكومة والمجلس. وينتظر السوريون جميعاً، على اختلاف تلاوينهم السياسية والإثنية والطائفية، خروجاً آمناً وجيّداً من عنق الزجاجة، ووقف كلّ الأخطاء الكبيرة والكثيرة التي تجري هنا وهناك، وردع التعدّيات على حقوق الإنسان السوري، الذي ظُلم طويلاً. ولا بدّ من خروج السوريين إلى النور والعدل والمساواة تحت سقف القانون، وبناء دولة المواطنة، ومن ثمّ صياغة العقد الاجتماعي السوري الجامع.



