الراحل الكبير حسن عبد العظيم..


خاص “المدارنت”
بعد أن غدر (الرئيس المصري الراحل) أنور السادات، بمصر، وهويتها ودورها وبثورتها الناصرية؛ وقع الناصريون المصريون والعرب في أزمة غياب القيادة، ومعها غياب الحماية والرعاية، وكانت صدمتهم الأكبر حين أصبحوا هدفا لكل أعداء الأمة وهويتها القومية، من نظم محلية ومن أجهزة عالمية ودول عاتية، بكل ما تملك من إمكانيات هائلة، وظفتها للقضاء على فكر ثورة الشعب الناصرية، وتشويه مسيرتها وسيرة زعيمها الرمز القائد جمال عبد الناصر.
لم يفقدوا القائد والقاعدة، بل تحولت القاعدة برمتها إلى حرب عليهم شعواء، أضيفت قوة القاعدة إلى قوة كل أعداء الأمة وقوميتها الوحدوية، فشكلوا جبهة واحدة للقضاء على التيار الناصري الذي برز للتصدي للثورة المضادة، محاولا تثبيت دوره في ساحات العمل الشعبي الوطني والقومي، وفي مواجهة قوى عاتية محلية ودولية.
كانت حاجة الناصريين إلى دولة/ قاعدة ودعم مالي وحماية أمنية ومنابر إعلامية، يخاطبون جماهير الأمة من خلالها؛ فكان أن إضطرتهم الحاجة وضغوط الوقائع الملحة إلى الإستعانة بنظم عربية، تنتهج خطابا وطنيا أو قوميا، فكانت سلسلة من تجارب العمل الناصري، متفاوتة الإبداع والتأثير والإحتفاظ بحرية الإرادة والحركة والتنظيم، فكان أن وقع الكثيرون في أفخاخ الأنظمة التي غالبتها فغلبتها طبيعتها الإقليمية، مطلة برأسها عبر أجهزة أمنية أو مصالح فئوية او سياسات ومواقف ضيقة ومحدودة الأفق.
أدت تلك التجارب إلى سقوط عدد من قيادات العمل الناصري في شباك الأجهزة وضرورات المصلحة، ما أدى إلى إرتهانات بعيدة عن حرية الفكر والتفكير، وهذا بدوره أدى إلى مواقف ومواقع لا تعكس حقيقة الرؤية الناصرية التحررية المستقلة عن كل إرتباط بالإقليمية التجزيئية ونظمها وأدواتها وإمكانياتها..
في مثل هذه الأجواء الملبدة بالكثير من الضبابية والمساومات والمسايرات؛ كان (الأمين العام السابق لـ”الإتحاد الإشتراكي العربي الديموقراطي” في سوريا) حسن عبد العظيم مدرسة مميزة في الإحتفاظ بنقاء الفكرة، وثبات المبدأ وحرية الحركة وإستقلالة القرار، فبقي قائدًا ناصريًا واضحًا صلبًا مناضلًا، لا يهادن بالتراجع ولا يترزّق بالمواقف، ولا يأبه بالتهديد والتخويف، ولا تهزّ أركان عقله وروحه الإغراءات والمناصب والمكتسبات، فإستمر إلى أن توفاه الله، مناضلًا حرّ الضمير، شريف المقاصد، عفيف اليد واللسان، فتميز عن كثيرين من الأسماء “الناصرية” اللماعة بهذه الإستقلالية والعفوية والعفة والعفاف.
وحينما كبرت رؤوس قيادات ناصرية، وأسكرتها توهجات الإعلام وأغرتها المناصب وأملأت نفوسها المكتسبات العينية والمادية؛ عنجهية أو كبرا أو نرجسية أو فردية وتفردا؛ وبالتالي، إستعلاء “فردانيا” على وقائع النضالات الميدانية؛ إحتفظ حسن عبد العظيم بثقة بالنفس النضالية، وروحها البسيطة، فبقي كثير التواضع شديد الإلتصاق ببسطاء الناس وفقرائهم، وأقلهم مسموعية، وأدناهم صخبًا وضجيجا.
بقي حسن عبد العظيم، يمارس النضال وهو في موقع المسؤولية، كما مارسه حينما كان شابًا يافعًا مخلصًا حرًا شريفًا مستقلًا، لم تتسلل عنجهية العنوان والمنصب إلى روحه ونفسه وعقله، وبقي متواضعًا في صلته بالناس الذين يتحدث بإسمهم أو يدافع عن حقوقهم وحرياتهم، لم تفسد عطاءه وتواضعه وبساطته وعفويته أيّ نرجسية من أي نوع، على غير ما فعلت ببعض غيره من قيادات وأسماء، ذات بريق وقعت في مرض النرجسية والإستعلاء..
وعلى الرغم من شدة إعتزازه بإنتمائه القومي العربي، كناصري صلب مناضل، وعلى الرغم من عمق قناعاته الفكرية النابعة من التجربة الناصرية؛ إلا أن شيئا من شبهة الفئوية أو العصبية الحزبية المغلقة؛ لم تخترق فكره التعاوني المنفتح على كل جهد وطني ساع الى التغيير، والتصدي للإستبداد والظلم والفساد، فكان إستعداده الدائم للتعاون الجبهوي مع كل قوة وطنية، وإن كانت مخالفة لفكره في المنطلقات والخلفيات.
كان عبد العظيم، من أبرز من سعى وأسس جبهات نضالية شعبية وطنية مستقلة، لمواجهة نظام القهر والتسلط والإستبداد والردة المنحرفة؛ متمسّكًا بشجاعة المواجهة وصدق الإنفتاح وإخلاص التعاون، مع كل وطني لإنقاذ الشعب والوطن من قهر الأجهزة وفساد السلاطين والمتسلطين، فكان هذا بيان لعقله الواعي وفهمه المدرك لخطورة ما يواجه الوطن والشعب، ولهول ما يحتاجه التغيير من تضافر كل الجهود والطاقات، وتلك سمة للقائد الجامع الموحد..
وعلى سمة النضال الحقيقي، حافظ حسن عبد العظيم على تلك الخاصية المشرفة، حيث المواقف الميدانية هي ذاتها ما تقال في المواقف، وهي ذاتها ما تعلن في التصريحات، فلا إزدواجية ولا إنفصال، وكما بقي وحدويًا عربيًا شديد الوضوح والصدق في سعيه لوحدة الأمة ونشر بواعثها القومية؛ كان وحدويًا أيضًا في ما يقول وفي ما يفعل، لا يتخذ من المواقف ما لا يمارسه في العمل والميدان، وتلك أيضًا سمة من سمات القيادة الصادقة الأمينة، لا تراوغ ولا تساير في الموقف على حساب القناعة ومقتضيات النضال، ولعل هذا ما جعله يرفض مغادرة سوريا، وهي في أغلظ أيامها وأكثرها شدة وأعنفها تسلطًا وقهرًا يمارسه نظام أمني وحشي مجرم..
وفي حين غلب الغرور على قيادات كثيرة، فتغلب عليها فغاصت في طرائق الفردية والتفرد والإستغناء عن التشاور والمشاركة في صنع القرار وصناعة المواقف والسياسة، وترفعت عن أسس ومقومات العمل المنظم، وما يقتضيه من إلتزام حقيقي بالمؤسسة وضوابط التنظيم السياسي؛ بقي حسن عبد العظيم، حريصا على البقاء في إطار عمل تنظيمي مؤسساتي، يحترم أصوله وقواعده متمسكا به كإطار حقيقي لعمله ونضاله اليومي على كل صعيد وميدان، فما كان إلا أمينًا لـ”الإتحاد الإشتراكي الناصري”، او رئيسًا لـ”تجمع وطني” أو “هيئة للتنسيق الوطني”، ولم يكن يومًا شخصًا لذاته أو بذاته يعرف بها فقط..
كثيرة هي الصفات القيادية للراحل الكبير، وأكبرها تلك البساطة والشفافية وإلتزام الأمانة في التعبير النضالي، وبراءة القلب من التبعية، ونظافة اليد من التكسّب، ويا لعمري إنها لصفات يفتقدها كثيرون، ويحتاجها كل مناضل يتصدى لمواجهة ما يهدد مجتمعاتنا وبلادنا وأمتنا من تحديات وأخطار، بلغت حد الحرب الممنهجة المدعمة بالقوة ضد وجودنا ذاته..
حسن عبد العظيم، سيرة قيادة نضالية حقيقية، ومدرسة لصفاتها اللازمة والناجعة والمبتغاة، في من يتصدى لكل عمل شعبي جماهيري نضالي..



