مقالات

الغياب المفجع للأمن القومي العربي!

“المدارنت”
لا نستطيع تجاهل طرح الأسئلة الآتية وتقديم الإجابة الصادقة عليها. فهل الوضع الأمني والمعيشي في السودان، والصراع الجنوني في ما بين اليمن والمملكة العربية السعودية، والتجزيء العبثي لسلطة الدولة في ليبيا، والمماحكات حول ملكية وانتماء ومستقبل قطعة من الصحراء ما بين المملكة المغربية والجزائر، والخلاف الحدودي الأمني الجديد ما بين الأردن وسوريا، وترك لبنان وحيداً لمواجهة يومية للجرائم وللتدمير وللاحتلال الذي يمارسه جيش الكيان الصهيوني في جنوبه وشماله، بل كل شبر منه، وإقحام نظامي الحكم الاستعماريّين الأمريكي والصهيوني دول مجلس التعاون في هجمتهما الاستعمارية ضد جمهورية إيران الإسلامية، وبناء علاقات تطبيعية متنامية من قبل بعض الأقطار العربية مع الكيان الصهيوني، الذي أباد غزة ويتكلم عن إقامة «دولة إسرائيل التوراتية الكبرى»، وهل الابتزازات الميليشياوية والبترولية والجغرافية الاحتلالية الأمريكية في الخليج وشتى بقاع الوطن العربي.. هل كل تلك المشاهد والكوارث هي جزء من الأمن القومي العربي والأمن المشترك الإسلامي أم لا؟

أليس الجواب هو نعم وألف نعم مهما أنكر المكابرون وتجاهل النفعيون وتناغم المغنّون مع الموساد والشبكات الاستخباراتية الأمريكية المتعددة؟ إذن ما هو موضوع الساعة الذي يجب أن يعطى الأولوية القصوى، فكراً واستراتيجيات وخطوات فعل ومواجهة، إن لم يكن الأمن القومي العربي الواحد المشترك؟
لكن هذه أمة، وهذه قوى مجتمعات، وهذه شعوب قد تعودت على أن تدور حول مشاكلها وقضاياها سنة بعد سنة وعقدا بعد عقد، الأمر الذي ينطبق، مع الأسف، على موضوع وجودي، كموضوع الأمن العربي القومي. فمن يصدق أن موضوعاً طرح ونوقش واتخذت بشأنه قرارات من قبل جهات عربية كثيرة مسؤولة، مثل الجامعة العربية، ومؤتمرات القمة العربية، منذ سنة 1950، أي قبل ثمانية عقود، ومع ذلك ما زال في عداد التمنيات والثرثرات التي لا تنتهي، وآلاف الكتب التحليلية المنشورة؟

الأسوأ من ذلك أنه كموضوع وجودي في الواقع العربي، تراجع كثيراً مع مرور الوقت، لتحل محله أنواع أخرى من الأمن، مثل المائي والغذائي والتجاري والسياحي، وتوضع كلها خارج مظلة الأمن القومي الشامل، بينما تحترق المدن العربية الكبرى، ويموت ويهاجر الملايين من أبناء وبنات العروبة تائهين في كل بقاع الغربة والوحدة. وقد أذهلني، على سبيل المثال، قراءة كتيب عميق وجميل وملتزم صدر عن منتدى الفكر العربي عام 1986 في عمان تحت عنوان «تحديات الأمن القومي العربي في العقد القادم». كانت الأفكار والمقترحات والتطلعات التي قدمها المشاركون عميقة وصريحة وجريئة، وكأنها تنطبق وتكتب وتقدم كمقترحات لأيامنا التي نعيشها الآن. لقد اختتم المناقشات آنذاك المحاضر الرئيسي الدكتور علي الدين هلال بالعناوين التالية:


إن الوطن العربي كان يعيش أزمة دنيا من الأمن ويواجه أخطارا إقليمية ودولية وقومية.

الأمن القومي قضية مجتمعية شمولية داخلية وخارجية.
إن الأمن يعني في المقام الأول بناء القدرة الذاتية وليس الاعتماد على الخارج.
ينبغي أن لا ننسى الأهمية القصوى للقوة العسكرية التي تحمي كل منجز أمني ذاتي.
إن الأمن تدخل فيه اعتبارات أيديولوجية وقومية، ليست عربية فقط، وإنما خارجية معادية أيضاً.
وأن تحقيق الأمن القومي العربي يتطلب العمل على ثلاثة مستويات: مستوى الحكومات والنظم الرسمية العربية، ومستوى دور فاعل للمنظمات والنقابات والأحزاب والجمعيات في المجتمع المدني، ومستوى دور تثقيفي وتوعوي للمفكرين والمثقفين.

هل يحتاج إلى مزيد على ذلك؟ نعم، إضافة شرط أساسي واحد كان إلى حد ما موجوداً آنذاك: توفر الإرادة السياسية والمجتمعية الحرة الذاتية النشيطة الفاعلة الغائبة حالياً بصورة مفجعة مهينة، التي يصرّ البعض على إبقائها في أيادي قوى الاستعمار الصهيوني الخارجية. استعادة الإرادة تسبق حتى القوة العسكرية، التي من دونها يصبح الأمن القومي موضوع ثرثرة قادرة، واحسرتاه، على أن تعيش وتكثر وتغمغم ثمانية عقود أخرى من الذل والسكون المعيب.

د. علي محمد فخرو/ “الشروق” المصرية
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى