مقالات

القيَم قبل السُلطة نحو دولة يحميها العدل لا الخوف ومجتمع تحكمه الوطنية لا الطائفية.. الجزء (4/ 8)

د. حسين ديب/ لبنان

خاص “المدارنت”

وثيقة فكرية مجتمعية في الإنسان والحرية والعدل والمواطنة والدولة

الفصل السادس: الشورى والتمثيل السياسي
الشورى: مبدأ قرآني لا قالب جامد
تنطلق هذه الوثيقة من أن الشورى مبدأ قرآني ثابت، لا نموذجًا سياسيًا مغلقًا ولا صيغة جاهزة للحكم. فالشورى تعبّر في جوهرها عن حقّ الناس في المشاركة في القرار العام، وعن ضرورة تداول الرأي، ومنع الاحتكار والاستبداد.
ولأن المجتمعات تتغيّر وتتعقّد، فإن أدوات الشورى تتغيّر بتغيّر الزمان، من المجالس التقليدية إلى البرلمانات المنتخبة، ومن المشورة المحدودة إلى التمثيل الشعبي الواسع. أما المبدأ فهو واحد:
لا قرار مصيريّ بلا مشاركة الناس.

الشورى كنظام تمثيلي
تؤمن هذه الوثيقة بأن الشورى تتحقق اليوم عبر نظام تمثيلي منتخب، يعبّر عن إرادة المواطنين، وينقل مطالبهم، ويشارك في التشريع والرقابة. فالمجلس النيابي ليس مجرّد هيئة إجرائية، بل هو ركن أساس في توازن السلطة، وضمانة لمنع تفرّد الحاكم بالقرار.
وتقوم شرعية المجلس على:
حرّية الاختيار، نزاهة الانتخابات، تكافؤ الفرص بين المرشحين، وخضوع الجميع لرقابة القانون.

مسؤولية المجلس النيابي الأخلاقية
ليست وظيفة المجلس النيابي محصورة في إصدار القوانينَ شكلًا، بل في حراسة العدالة ومنع التشريع الظالم قدر الممكن. فالأغلبية العددية لا تكفي وحدها لإنتاج عدالة حقيقية، إذا انفصلت عن معايير القيم والمصلحة العامة وحقوق الأقليات.
وترى هذه الوثيقة أن على الممثلين المنتخبين:
أن يوازنوا بين إرادة الناس والعدل، وأن يرفضوا القوانين التي تُقنّن الظلم ولو حظيت بدعم عددي، وأن يفسّروا للناس أسباب قراراتهم بصدق وشفافية.

الأغلبية والعدل: معادلة دقيقة
تفرّق هذه الوثيقة بين:
الأغلبية العددية بوصفها أداة لاتّخاذ القرار،
والعدل بوصفه معيار شرعية القرار.
فليست كل قرارات الأغلبية عادلة بالضرورة، كما أن حماية حقوق الأقلية ليست مِنّة من الأكثرية، بل هي واجب تفرضه العدالة. ولذلك فإن الشورى الحقّة لا تُختزل في التصويت وحده، بل تُبنى على:
نقاش حرّ،
إعلام مستقل، قضاء دستوري، وضمانات دستورية تحمي الحقوق الأساسية من النزوات العابرة.

متى تفقد السلطة مشروعيتها؟
ترى هذه الوثيقة أن شرعية السلطة لا تُستمدّ من الانتخابات وحدها، بل من:
التزامها بالعدل، واحترامها للقانون، وصونها للحريات، وخضوعها للمحاسبة.
وتفقد السلطة مشروعيتها عندما:
تُعطّل الشورى، وتُصادر إرادة الناس، وتمنع المساءلة، وتُقنّن الاستبداد باسم الأمن أو المصلحة.
وعندها يصبح المجتمع في مواجهة مسؤوليته الأخلاقية في السعي السلمي لتصحيح المسار.

الشورى والعصيان المدني السلمي
حين تنغلق قنوات المشاركة، وتُفرَّغ المؤسسات التمثيلية من دورها، وتُعطَّل آليات الرقابة، تنتقل الشورى من صورتها المؤسسية إلى صورتها المجتمعية عبر:
التظاهر السلمي، الإضراب، المقاطعة، العصيان المدني المنظّم.
وهذه الأدوات ليست خروجًا على النظام، بل هي:
محاولة لإعادته إلى أصله: خدمة الناس لا السيطرة عليهم.

خلاصة الفصل
إن هذا الفصل يقدّم الشورى باعتبارها:
حقًّا للناس، وواجبًا على السلطة، وآلية لمنع الاستبداد،
تتحقّق اليوم عبر التمثيل السياسي الحرّ، والانتخابات النزيهة، والمساءلة الدائمة. فالدولة التي تُعطّل الشورى تُعطّل معها روح العدالة، وتفتح باب الانفجار السياسي والفساد العميق.
ومن هنا، فإن الشورى ليست تفصيلًا في الحكم، بل جوهره الحيّ.

الفصل السابع: القانون والتشريع
القيم مصدر القوانين لا العكس
تنطلق هذه الوثيقة من مبدأ أساس مفاده أن القوانين لا تصنع القيم، بل القيم هي التي تُنتج القوانين. فالتشريع ليس عملًا تقنيًا محضًا، بل هو فعل أخلاقي قبل أن يكون نصًا قانونيًا. وحين تنفصل القوانين عن القيم، تتحوّل إلى أدوات ضبط وقهر بدل أن تكون أدوات عدل وحماية.
ولهذا، فإن العدل، والحرية، والكرامة الإنسانية، والمساواة، والمصلحة العامة؛ يجب أن تكون المعايير العليا التي تُقاس بها أي منظومة تشريعية، لا مجرد شعارات تُضاف إلى ديباجة الدساتير.

التشريع كوظيفة بشرية منظّمة
ترى هذه الوثيقة أن التشريع بطبيعته وظيفة بشرية جماعية تخضع للاجتهاد والتطوير والتعديل وفق تغيّر الأحوال. فالله لم يضع للناس قوانين تفصيلية لكل زمان ومكان، بل وضع القيم الكلية التي تهدي الفكر التشريعي، وترك للإنسان مسؤولية بناء القوانين التي تنظّم:
الاقتصاد، والإدارة، والنقل، والتعليم، والصحة، والعلاقات الاجتماعية.
وبذلك يكون التشريع عملية حيّة متجدّدة، لا منظومة جامدة معزولة عن الواقع.

القانون الوضعي وحدوده
تعترف هذه الوثيقة بأهمية القانون الوضعي بوصفه أداة تنظيم أساسية للمجتمع، لكنها ترفض النظر إليه بوصفه مرجعية مطلقة لا تُراجع. فالقانون، مهما بلغ من الدقة، يظلّ نتاجًا بشريًا:
يَصِحّ، ويُخطِئ، ويحتاج إلى تصويب مستمر.
وكل قانون يُقنّن الظلم، أو يُفرّق بين المواطنين، أو يميّز على أساس الدين أو الطائفة أو الجنس أو المال، هو قانون فاقد لشرعيته الأخلاقية، حتى لو تمّ تمريره وفق إجراءات دستورية سليمة.

العدالة التشريعية في مواجهة الظلم المقنّن
ليس كل ما هو قانوني عادلًا بالضرورة، إذ قد تتحوّل القوانين في بعض السياقات إلى وسائل لتكريس الظلم بصيغة رسمية. ولذلك فإن هذه الوثيقة تميّز بوضوح بين:
الشرعية الإجرائية (كيف صَدَر القانون)،
والشرعية القيمية (هل هو عادل).
فالقانون الذي:
يهدر حقوق فئة من الناس، أو يُشرعن القهر، أو يُكبّل الحريات تحت ذرائع أمنية أو سياسية،
هو قانون يحتاج إلى مراجعة شجاعة مهما كانت الجهة التي أقرّته.

القانون كضامن للحريات لا كقيـد عليها
تؤكد هذه الوثيقة أن الغاية الأساسية من القانون هي حماية الحرية لا خنقها. فالقانون وُضع ليحمي: حق الإنسان في الحياة، وحرية الرأي، وحرية الاعتقاد، وحرية التنظيم، وحرية العمل، ضمن إطار يمنع الاعتداء على الآخرين ويصون النظام العام.
وأي قانون يُستخدم لتكميم الأفواه، أو تجريم التفكير، أو قمع المخالفين، يتحوّل من وسيلة حماية إلى أداة استبداد.

المصلحة العامة معيار التشريع
لا ترى هذه الوثيقة في التشريع ساحة لصراع المصالح الخاصة، بل تعتبر أن المصلحة العامة هي المعيار الأسمى في التقنين. فالقوانين التي تُفصَّل لخدمة فئة، أو طائفة، أو رأس مال، أو حزب، تُفقد الدولة معناها، وتحوّلها إلى جهاز خدمة ضيّق لا إلى إطار جامع.
والمصلحة العامة لا تُقاس بما تريده القوى النافذة، بل بما يحمي: الضعفاء، والحقوق، والبيئة، والاستقرار الاجتماعي، والعدالة بين الأجيال.

التشريع بين النصّ والواقع
تؤكد هذه الوثيقة أن العلاقة بين النصوص المرجعية (الدستورية أو القيمية) وبين الواقع يجب أن تقوم على: الفهم، والاجتهاد، والموازنة، لا على النقل الحرفي أو الجمود.
فالتشريع الذي يتجاهل تعقيد الواقع يفشل في التطبيق، والتشريع الذي ينفصل عن القيم يفشل في العدالة. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى عقل تشريعي:
واعٍ ومسؤول متحرّر من الضغوط الطائفية والمالية.

خلاصة الفصل
إن هذا الفصل يؤسّس لفهم متوازن للتشريع بوصفه: عملًا بشريًا مسؤولًا،
محكومًا بالقيم لا بالأهواء، خادمًا للحرية لا خصمًا لها، وحارسًا للمصلحة العامة لا أداة لاحتكارها.
فالقانون الذي لا يُنقذ المظلوم، ولا يحمي الحرّ، ولا يكسر هيمنة القويّ، هو قانون فقد روحه حتى لو احتفظ بشكله.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى