اللجنة العسكرية في سوريا.. من إعادة تشكيل الجيش إلى انهيار مؤسسة الدولة (1963–2024)

خاص “المدارنت”
لم يكن انهيار الجيش السوري في كانون الأول 2024، حادثاً منفصلاً عن تاريخ سورية الحديث. كان المشهد الأخير نتيجة مسار طويل بدأ عندما خرج الجيش تدريجياً من وظيفته الوطنية بوصفه مؤسسة للدولة، ودخل في صراع السلطة، ثم أُعيد تشكيل بنيته على أساس الولاء السياسي وشبكات النفوذ، قبل أن يتحول في عهد حافظ الأسد إلى أحد أهم أعمدة النظام، ثم يفقد في عهد بشار الأسد الكثير من قدرته المؤسسية والقتالية.
وعندما سقط النظام، ظهر أن المؤسسة التي كان يُفترض أن تكون الضامن الأخير لبقائه لم تعد تملك القدرة على خوض معركة طويلة دفاعاً عنه.
من اللجنة العسكرية إلى السيطرة على الجيش
في سنوات الوحدة المصرية ـ السورية، تشكلت داخل المؤسسة العسكرية السورية نواة تنظيمية سرية من الضباط البعثيّين عُرفت لاحقاً باسم «اللجنة العسكرية». وكان من أبرز أعضائها محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد، ثم توسعت تدريجياً، وأصبحت قبيل انقلاب الثامن من آذار 1963 أحد مراكز القوة الأساسية داخل الجيش.
لم تكن المشكلة في انتماء ضباط إلى حزب سياسي بحد ذاته، فذلك كان جزءاً من الحياة السياسية السورية في تلك المرحلة. المشكلة بدأت عندما انتقل الجيش من كونه مؤسسة يفترض أن تخضع للدولة، إلى طرف مباشر في الصراع على السلطة، وأصبح الانتماء السياسي عاملاً مؤثراً في إعادة ترتيب بنيته.
بعد انقلاب الثامن من آذار، بدأت عملية واسعة لإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية. وفي أواخر نيسان 1963 جرى إبعاد نحو المئات من الضباط وضباط الصف من المحسوبين على التيار الناصري والوحدوي من الجيش، وترافقت العملية مع استقالة وزير الدفاع محمد الصوفي ونائب رئيس الأركان رشيد القطيني وعدد من الوزراء الناصريين، إحتجاجاً على هذا القرار الغير مسبوق والغير مبرر والذي يحول الجيش من جيش وطني الى جيش فئوي.
لم تأت هذه الخطوة في فراغ سياسي. فقد كانت سورية تشارك في تلك الفترة في مفاوضات ثلاثية مع مصر والعراق حول صيغة جديدة للوحدة العربية. وفي السابع عشر من نيسان 1963 أُعلن اتفاق مرحلي يتجه نحو اتحاد بين الدول الثلاث، مع إبقاء ترتيبات انتقالية قبل قيام الاتحاد.
لكن عملية إبعاد الضباط الناصريين في نهاية نيسان كشفت أن الصراع لم يكن يدور فقط حول الصيغة الدستورية أو الزمن اللازم للوحدة، بل حول موازين القوة داخل الدولة السورية نفسها، وحول من يملك القوة العسكرية القادرة على تحديد اتجاهها.
ولهذا اكتسبت عملية الإبعاد أهمية تتجاوز عدد الضباط الذين شملتهم. فقد كانت إعادة تشكيل الجيش تعني في الوقت نفسه إعادة تشكيل موازين القوة السياسية داخل الدولة.
وهكذا لم تكن اللجنة العسكرية تعيد ترتيب الجيش فقط، بل كانت تعيد ترتيب الدولة من خلال الجيش.
حين أصبحت السياسة جزءاً من المؤسسة العسكرية
لم تتوقف إعادة تشكيل الجيش عند عمليات التسريح والإبعاد. فقد أصبح الصعود داخل المؤسسة مرتبطاً بصورة متزايدة بالتوازنات السياسية داخل حزب البعث نفسه، وبالشبكات التي تشكلت حول الضباط النافذين.
وكان ذلك تحولاً بالغ الأهمية في تاريخ سورية الحديث. فالجيش الذي كان يفترض أن يكون مؤسسة تحمي النظام السياسي أصبح واحداً من أهم الأدوات التي يُعاد بها تشكيل النظام السياسي نفسه.
وفي تموز 1963 حاول ضباط ناصريون بقيادة جاسم علوان إسقاط السلطة البعثية. فشلت المحاولة، وتبعها مزيد من الإجراءات ضد خصوم اللجنة العسكرية داخل القوات المسلحة.
أما زياد الحريري، الذي كان قد لعب دوراً مهماً في انقلاب الثامن من آذار بوصفه ضابطاً مستقلاً وقائداً للقوات الموجودة على جبهة إسرائيل، فقد أخذ موقعه يتعارض بصورة متزايدة مع صعود اللجنة العسكرية. وبعد مشاركته في الوفد الحكومي إلى الجزائر في حزيران 1963، جرى تحييده وإبعاده عن مركز القرار العسكري، ثم غادر سورية لاحقاً.
تكشف هذه الواقعة أن إعادة بناء الجيش لم تكن موجهة فقط ضد الناصريين، بل شملت أيضاً الضباط الذين امتلكوا مراكز قوة مستقلة عن اللجنة العسكرية.
وجاء انقلاب 23 شباط 1966 ليؤكد هذا التحول. فقد أطاح بالقيادة السياسية التقليدية لحزب البعث، وبرز الصراع داخل السلطة بين جناح صلاح جديد الذي امتلك نفوذاً حزبياً وسياسياً واسعاً، وجناح حافظ الأسد الذي أخذ يرسخ نفوذه داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.
لم يكن الصراع مجرد خلاف شخصي بين رجلين، بل كان صراعاً على طبيعة السلطة ومركز القوة داخل الدولة والحزب والجيش.
وفي تشرين الثاني 1970 حسم حافظ الأسد الصراع لمصلحته، وبدأت مرحلة مختلفة من تاريخ المؤسسة العسكرية السورية. لم تعد اللجنة العسكرية هي مركز إدارة الصراع داخل الجيش، بل أصبح مركز القرار السياسي والعسكري متركزاً في شخص الرئيس.
وبذلك انتقل الجيش من مرحلة كان فيها مرتبطاً بصورة مباشرة بالحزب والصراع الداخلي فيه إلى مرحلة أكثر تعقيداً: جيش يرتبط بالنظام السياسي وشبكات الأمن والسلطة، وتصبح حماية النظام جزءاً أساسياً من وظيفته.
1967: الاختبار الذي كشف خللاً أعمق
إذا كان الصراع على الجيش قد جرى داخل غرف السلطة ومراكز القيادة، فإن حرب حزيران 1967 نقلت الاختبار إلى الميدان.
قاتلت وحدات سورية بالفعل على جبهة الجولان، ولا يصح اختزال المعركة في القول إن الجيش لم يقاتل. لكن الحرب انتهت بفقدان الجولان، وكشفت مشكلات خطيرة في القيادة والسيطرة وإدارة المعركة والانسحاب.
ولا يمكن تفسير هزيمة 1967 بعامل واحد. فقد تداخلت فيها عوامل سياسية واستراتيجية وعسكرية، كما لعب التفوق الإسرائيلي في التنظيم والتسليح والاستخبارات والقوة الجوية دوراً أساسياً.
لكن إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية خلال السنوات السابقة، وما رافقها من صراع سياسي داخلها، كانت جزءاً من البيئة التي دخلت فيها سورية الحرب.
أهمية 1967 لا تكمن فقط في خسارة الجولان، بل في أنها قدمت اختباراً كبيراً للمؤسسة العسكرية التي أعيد تشكيلها بعد انقلاب 1963. وقد أظهرت الحرب أن السيطرة السياسية على المؤسسة لا تعني بالضرورة بناء مؤسسة عسكرية أكثر كفاءة وقدرة على إدارة حرب حديثة.
من جيش الحزب إلى جيش النظام
بعد عام 1970، لم يعد حافظ الأسد بحاجة إلى لجنة عسكرية تدير الصراع من داخل الجيش. فقد أصبح هو مركز النظام، وأخذ يعمل على بناء صيغة أكثر استقراراً تقوم على تداخل الجيش والأجهزة الأمنية وحزب البعث ومؤسسات الدولة.
احتفظ النظام بشخصيات سنية في مواقع عسكرية وسياسية مهمة، وكان من أبرزها حكمت الشهابي ومصطفى طلاس. لكن المواقع الأكثر حساسية في منظومة القوة العسكرية والأمنية ارتبطت بصورة متزايدة بضباط يتمتعون بعلاقات وثيقة بالرئيس وبشبكات الولاء التي تشكلت حوله.
ولا تكفي عبارة «جيش طائفي» وحدها لتفسير التحول. فقد تداخلت داخل المؤسسة العسكرية اعتبارات الولاء السياسي والشخصي والطائفي والمناطقي، وأصبحت شبكة الثقة المرتبطة بمركز السلطة عاملاً مهماً في توزيع النفوذ والمواقع.
وهنا انتقل الجيش من كونه أداة لحزب حاكم إلى كونه أحد أعمدة نظام شخصي أكثر استقراراً. وباتت حماية النظام والحفاظ على تماسكه الداخلي جزءاً أساسياً من الوظيفة التي أُسندت إلى قطاعات واسعة من المؤسسة العسكرية والأمنية.
لكن استقرار النظام لم يكن يعني أن الجيش أصبح مؤسسة وطنية موحدة ومستقلة. فقد ظل داخله توزيع للقوة بين تشكيلات وقيادات ومراكز نفوذ مختلفة.
1982.. الاختبار المزدوج
في عام 1982 دخلت القوات السورية في مواجهة واسعة مع إسرائيل خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان.
ولا يصح اختزال تلك المرحلة بالقول إن الجيش السوري لم يقاتل. فقد خاضت القوات السورية معارك فعلية في لبنان والبقاع، وشاركت وحدات مدرعة ومدفعية وجوية في القتال، وتكبدت خسائر كبيرة.
لكن الحرب كشفت مرة أخرى حدود قدرة الجيش السوري على إدارة حرب واسعة في مواجهة قوة أكثر تفوقاً في التكنولوجيا والقيادة والسيطرة والقوة الجوية. ولذلك فإن دلالة 1982 لا تكمن في نفي قدرة الجيش على القتال، بل في إظهار الفجوة بين حجم القوة العسكرية وبين قدرتها الفعلية على إدارة حرب حديثة في مواجهة خصم متفوق نوعياً.
غير أن أخطر اختبار لبنية الجيش لم يأت من الخارج هذه المرة، بل من داخل النظام نفسه.
في عامي 1983 و1984 وصلت الأزمة داخل النظام إلى مواجهة بين حافظ الأسد وشقيقه رفعت الأسد. ولم تكن القضية مجرد خلاف عائلي على السلطة، بل كشفت طبيعة البنية العسكرية والأمنية التي تشكلت خلال عهد حافظ الأسد.
كانت «سرايا الدفاع» قوة عسكرية خاصة مستقلة تنظيمياً عن القوات المسلحة النظامية، وكانت تحت قيادة رفعت الأسد. وقد أصبحت واحدة من أهم أدوات القوة العسكرية الخاصة داخل النظام.
وعندما احتدم الصراع، ظهرت البنية العسكرية في صورتها الأكثر وضوحاً: تشكيلات وقوات وقيادات مرتبطة بمراكز قوة مختلفة داخل النظام. وبلغ الأمر في عام 1984 حد انتشار قوات متنافسة في دمشق، بينها سرايا الدفاع والقوات الخاصة والحرس الجمهوري.
انتهت الأزمة بخروج رفعت من مركز القوة، وإعادة تنظيم سرايا الدفاع ودمجها في تشكيلات أخرى من القوات المسلحة.
كان ذلك مؤشراً مهماً إلى أن الجيش لم يعد كتلة مؤسسية واحدة تتحرك من مركز قيادة وطني موحد، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع تتوزع فيها القوة بين تشكيلات وأجهزة وشخصيات.
وهذه النقطة ستكون حاسمة لاحقاً: المؤسسة التي تفقد وحدتها الداخلية تدريجياً قد تستطيع الاستمرار ما دام مركز السلطة قوياً، لكنها تواجه اختباراً مختلفاً تماماً عندما ينهار هذا المركز.

بشار الأسد.. وراثة المؤسسة لا إصلاحها
عندما انتقلت السلطة إلى بشار الأسد عام 2000، لم يرث دولة محايدة ومؤسسة عسكرية مستقلة، بل ورث نظاماً سياسياً وأمنياً وعسكرياً تشكل على مدى ثلاثة عقود.
ولم يكن التحدي الأساسي الذي واجهه هو إعادة بناء الجيش على أساس مؤسسي جديد، بل الحفاظ على منظومة السلطة القائمة مع إجراء تعديلات في بعض المواقع والقيادات.
ثم جاءت أحداث 2011 لتطرح السؤال الذي كان مؤجلاً منذ عقود: هل الجيش مؤسسة للدولة، أم مؤسسة لحماية النظام؟
أظهرت السنوات الأولى من الحرب أن الإجابة لم تكن واحدة في كل وحدات الجيش. فقد وقعت انشقاقات واسعة، وتشكّل الجيش السوري الحر من ضباط وجنود منشقين، وتراجعت قدرة الجيش النظامي على خوض الحرب منفرداً، ما دفع النظام بصورة متزايدة إلى الاعتماد على تشكيلات أمنية وعسكرية خاصة، وعلى قوى مسلحة محلية وحلفاء خارجيين.
ومع التدخل الروسي المباشر عام 2015، أصبح الدعم الخارجي جزءاً أساسياً من القدرة العسكرية للنظام على استعادة مناطق واسعة.
وبذلك لم يعد الجيش القوة العسكرية الوحيدة التي يعتمد عليها النظام، بل أصبح واحداً من مكونات شبكة عسكرية وأمنية أوسع.
من جيش الدولة إلى شبكة قوى
أدت سنوات الحرب إلى استنزاف المؤسسة العسكرية بشرياً ومادياً. فالقتلى والجرحى والانشقاقات وطول سنوات الخدمة ونقص العناصر وتراجع الرواتب وانتشار الفساد والرشوة، كلها عوامل أضعفت قدرة الجيش على العمل كمؤسسة تقليدية.
وأصبحت المشكلة لا تتعلق بعدد الجنود والضباط المسجلين في الجداول الرسمية، بل بعدد القادرين فعلياً على الانتشار والقتال، وبمدى استعدادهم لتنفيذ الأوامر، وبقدرة القيادة على التحكم بالقوات.
وفي السنوات الأخيرة من النظام، أصبح الاعتماد على الحلفاء الخارجيين أكثر وضوحاً، فيما تراجعت قدرة الجيش على العمل بصورة مستقلة.
وهنا يظهر الفرق بين دولة تمتلك جيشاً، ونظام يمتلك تشكيلات مسلحة تحمل اسم الجيش.
فالجيش قد يبقى قائماً على الورق، وقد تبقى هياكله وألويته وفرقه موجودة، لكن المؤسسة العسكرية تفقد معناها إذا لم تعد قادرة على تنفيذ وظائفها الأساسية: القيادة الموحدة، والانضباط، والانتشار، والقتال دفاعاً عن الدولة.
وهذا ما جعل سقوط النظام في 2024 مختلفاً عن مجرد هزيمة عسكرية عابرة.
2024: سقوط النظام وانكشاف الجيش
عندما بدأ الهجوم المعارض الواسع في أواخر تشرين الثاني 2024، ظهرت هشاشة منظومة الدفاع الحكومية بسرعة.
سقطت حلب، ثم حماة، ووصلت القوات المعارضة إلى حمص. وفي السابع من كانون الأول انسحبت القوات الحكومية من حمص، الأمر الذي قطع عملياً الطريق بين دمشق والساحل وأضعف قدرة النظام على إعادة تجميع قواته في منطقة يمكن الدفاع عنها على المدى الطويل. وفي اليوم التالي سقطت دمشق وانتهى حكم بشار الأسد.
ولا يعني ذلك أن الجيش لم يقاتل خلال الهجوم الأخير. فقد وقعت اشتباكات في أكثر من موقع، لكن النتيجة الأهم كانت سرعة انهيار منظومة القيادة والانتشار، وتراجع القدرة على مواصلة الدفاع بصورة منظمة عن المدن والمواقع الرئيسية.
وهنا ظهرت المفارقة التاريخية بأوضح صورها: النظام الذي جعل من الجيش والأجهزة الأمنية الضمانة الأخيرة لبقائه وجد نفسه في لحظة الاختبار الكبرى أمام مؤسسة استنزفتها سنوات الحرب، وأضعفها طول الصراع ونقص الموارد، وتآكلت قدرتها على العمل المستقل، واعتمدت طويلاً على قوى خارجية.
ولم تكن أيام الهجوم الأخيرة وحدها مسؤولة عن سقوط الجيش. فقد كشفت فقط ما تراكم داخله طوال سنوات الحرب، من استنزاف بشري ومادي وضعف في القدرة على الانتشار والقيادة والقتال.
وعندما احتاج النظام في 2024 إلى قدرة عسكرية مستقلة وسريعة لإيقاف الهجوم، لم تظهر تلك القدرة بالمستوى الذي يسمح له بإعادة تثبيت خطوطه الدفاعية.
لم يكن سقوط الجيش نتيجة أيام الهجوم الأخيرة وحدها، بل كانت تلك الأيام اللحظة التي انكشف فيها ما تراكم داخل المؤسسة طوال عقود.
ماذا تقول التجربة السورية؟
لا تقول التجربة السورية إن الطائفية وحدها أسقطت الجيش، كما لا تقول إن انقلاب آذار 1963 وحده يفسر ما حدث في 2024. المسار أكثر تعقيداً.
بدأ الخلل عندما خرج الجيش من وظيفته الوطنية ودخل مباشرة في صراع السلطة. ثم جاءت عمليات التطهير وإعادة توزيع المواقع لتعيد تشكيل المؤسسة وفق التوازنات السياسية الجديدة. وبعد ذلك، تحول الجيش تدريجياً إلى جزء من نظام يقوم على تداخل الحزب والأمن والجيش والولاءات الشخصية والطائفية والمناطقية.
في عهد حافظ الأسد، جرى تثبيت هذا البناء وتحويله إلى منظومة أكثر استقراراً وقدرة على البقاء. وفي عهد بشار الأسد، ورث النظام هذه المؤسسة من دون أن يعيد بناء استقلالها المؤسسي. ثم جاءت حرب 2011 لتستنزف ما تبقى من قدرتها، وتحولها تدريجياً من جيش يخوض الحرب بوصفه مؤسسة الدولة إلى قوة تعتمد على الأجهزة الخاصة والحلفاء والقوى المسلحة المساندة.
وعندما سقط النظام، لم يسقط الجيش فقط في معركة عسكرية، بل انكشف أيضاً حجم التآكل الذي أصاب المؤسسة نفسها.
المسألة السورية لا تبدأ من طائفة ولا تنتهي عند طائفة. بدأت عندما أصبح الجيش طريقاً إلى السلطة، ثم أصبح جزءاً من السلطة، ثم أصبح حارساً للنظام، إلى أن فقد القدرة على حمايته عندما وصل النظام إلى لحظة الانهيار.
لهذا فإن ما حدث في كانون الأول 2024 لا يمكن فهمه بوصفه مجرد سقوط نظام أمام هجوم عسكري سريع. إنه، في جانب أساسي منه، النتيجة الأخيرة لمسار بدأ قبل أكثر من ستة عقود، عندما أُعيد تشكيل الجيش السوري من مؤسسة يفترض أن تكون للدولة إلى مؤسسة ارتبطت تدريجياً ببنية السلطة، حتى أصبح انهيار تلك البنية كاشفاً عن مدى التآكل الذي أصاب المؤسسة التي قامت بحمايتها.



