“المشروع الإبراهيمي”.. هندسة وعي المنطقة على مقاس الاحتلال! (1-3)

خاص “المدارنت”
في زمن تُختصر فيه المعارك الكبرى بشعارات صغيرة، يُسوّق “المشروع الإبراهيمي”، كمبادرة للحوار والتسامح بين أتباع الديانات الإبراهيمية. لكن خلف هذا الوجه الناعم، يتوارى مشروع أكثر خطورة: إعادة تشكيل هوية المنطقة وتاريخها ووعيها الجمعي، بما يخدم تطبيع الاحتلال وتبييض وجه القوة الغاشمة. لم يعد الحديث عن فلسطين قضية مركزية، بل يُراد لها أن تُختزل في مناسبة رمزية أو شعار في طابور الاحتفالات المشتركة.
أولاً: من اتفاقيات إبراهام إلى مشروع إبراهيمي شامل
بدأ المسار باتفاقيات سياسية عُقدت في 2020 بين “إسرائيل”، ودول عربية، بوساطة أميركية، وسرعان ما اكتسبت أبعاداً دينية وثقافية. ظهر ما يسمى بـ”بيت العائلة الإبراهيمية” في أبو ظبي، وانتشرت المبادرات التعليمية والفنية التي تحتفي بـ”الإخاء الإبراهيمي”، في تجاهل تام للسياق التاريخي والجغرافي للصراع، وكأن المشكلة تكمن في “سوء فهم ثقافي” لا في احتلال دموي قائم.
ثانياً: السادات والمهاد التاريخي للمشروع الإبراهيمي
ليس المشروع الإبراهيمي، وليد اتفاقيات 2020، بل هو تتويج لمسار بدأ بعد توقيع اتفاقية كامب دايفيد عام 1978، حين قرر (الرئيس المصري الراحل) أنور السادات، أن يُدخل الدين في المعادلة السياسية. سعى السادات لتبرير التطبيع مع “إسرائيل” عبر سردية دينية: “نحن وإياهم أبناء إبراهيم”، وافتتح مشروع “مجمع الأديان” في مصر القديمة، كرمز للتقارب الروحي بين الإسلام والمسيحية واليهودية. لكن هذه الرمزية، بحسب نقد كثير من المفكرين مثل الشيخ الشعراوي وفهمي هويدي، كانت محاولة لتجميل الاستسلام السياسي بالدين، وتدشين خطاب جديد يُخرج “إسرائيل” من خانة العدو. لقد كان ذلك هو البذر “الأيديولوجي” الأول للمشروع الإبراهيمي الذي نراه اليوم.
ثالثًا: فلسطين تُخرج من المعادلة
أخطر ما في المشروع، أنه لا ينكر مأساة فلسطين، فحسب، بل يتجاهلها. في قلب المشروع يوجد تسويق لـ”إسرائيل”، ككيان طبيعي في النسيج الإقليمي، من دون أن تُحاسَب على احتلال أو قتل أو تهويد. يصبح الاحتلال مجرّد “طرف” في حوار، لا مجرماً بحق التاريخ والهوية والإنسان.
رابعاً: الدين كأداة ترويض لا كقوة تحرر
الدين، في السياق الإبراهيمي، يُستخدم لإنتاج “روحانية مؤسسية” مسالمة، تُشجع على التعايش مع الظلم بدل مقاومته، وتُفرغ الأديان من بعدها التحرري. يُراد للإسلام أن يتحوّل إلى دين مطيع “يُطبع ولا يعارض”، بينما تُجرّم المقاومة بوصفها “تطرفاً”. أما القدس، فلا تُذكر إلا كرمز “مشترك” بين الأديان، لا كعاصمة محتلة مغتصبة.
خامساً: هندسة تحالف إقليمي جديد بقيادة “إسرائيل”
المشروع لا يقتصر على الرمزيات، بل يخدم رؤية استراتيجية واضحة:
• إدماج “إسرائيل” بوصفها “شريك استقرار”.
• تشكيل محور سياسي – أمني – اقتصادي، يضم “إسرائيل” ودول الخليج، برعاية أميركية.
• تحييد كل مشروع تحرري، سواء قومي أو إسلامي، وتجريمه إن لزم الأمر.
ما يحصل هو “تحالف الإخاء الإبراهيمي”، في مقابل قوى أخرى تسعى الى النفوذ، لكنه ليس صراعاً بين مشروعين متناقضين، بقدر ما هو توزيع أدوار على حساب شعوب المنطقة، وبخاصة الفلسطينيين.
سادساً: صناعة “عقل عربي جديد”
يهدف المشروع إلى إعادة تعريف الوعي العربي:
• يصبح الاحتلال “واقعاً”، لا قضية.
• وتصبح المقاومة “عبئاً”، لا شرفاً.
• ويصبح الدين “أداة ضبط”، لا طاقة تحرير.
تُنتج هذه البنية خطاباً جديداً يُروّج للتطبيع، بوصفه “انفتاحاً”، ولتذويب الهوية بوصفه “تسامحاً”. وتُصبح الأمة، في هذا السياق، جسداً بلا ذاكرة، ولا مركزية، ولا بوصلة.
ما يبدو في الظاهر صراعاً بين مشروع الإخاء الإبراهيمي، ومحور المقاومة، هو في الواقع تنافس بين مشروعين توسعيّين: أحدهما يُجمّل الاحتلال بالدين، والآخر يُشرعن التوسع باسم المقاومة. وفي كلا الحالتين، تُغتال فلسطين، كقضية تحررية عربية، ويُختزل الوعي الشعبي بين حدّيْن زائفين. أما المشروع العربي الأصيل، القائم على التحرر والعدالة والمركزية الفلسطينية، فلا يجد له حاضنة رسمية عربية حقيقية، في ظل غليان شعبي عارم.
المشروع الإبراهيمي، رغم نعومته الخطابية، ليس دعوة صادقة للحوار، بل محاولة لتحييد الإسلام، وتفكيك العروبة، وطمس فلسطين من الوجدان الجمعي. إنه إعادة هيكلة كاملة للمنطقة سياسياً وثقافياً ودينياً، عبر دمج “إسرائيل” في النسيج، وعزل كل من يرفض هذا المسار.
وما يُراد لنا أن ننساه، يجب أن نَصونه في وعينا، وسلوكنا، ومقاومتنا الطويلة النفس.



