الوحدة مجددًا

خاص “المدارنت”
لم تغب أحاديث الوحدة عن تفكير وحوارات المهتمين بالمستقبل العربي من أبناء الأمة، حتى أولئك الذين لا ينتمون إلى الفكر القومي العربي..
فمنذ ما بعد حرب تشرين – أكتوبر 1973, وهاجس الامن العربي يشغل إهتمامات النخب ومراكز الأبحاث والدراسات والمثقفين، وحتى الكثير من ألمواطنين العاديين الذين تحدثهم فطرتهم عن مخاوف كثيرة تتهدد الوجود العربي ومستقبله..
كانت الوقائع الحياتية المستجدة على كل مستويات الحياة، وتحديدا منذ خروج مصر من مواقعها العربية، وإلتزامها بنهج “إتفاقية كامب دايفيد”ن وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، تشير إلى إختلال أمني عام يغطي كل المنطقة العربية ينطلق من أمور ثلاثة أساسية:
الأول:
تمادي الإجرام الصهيوني على العرب جميعا؛ وصولا إلى التصريح المباشر بالعمل للتوسع على حسابهم، وتأسيس “مملكة بني صهيون”، أي “إسرائيل الكبرى”، وهي التي من المفترض أن تقضم أراض كثيرة من معظم بلاد العرب كإحتلال مباشر، ثم السيادة على الجميع بالسيطرة على التوجهات العامة، وتحديد الأسس المستقبلية للتربية والتعليم والوعي والسياسة والبرامج الدينية، فضلا عن توظيف الموارد.
ليس هذا فقط؛ بل تمادى العبث الصهيوني في مجتمعات الدول التي إعترفت بكيانه، وأقامت علاقات طبيعية معه، من أول مصر وصولا إلى فلسطين، مرورا بالأردن.
كان إعتراف “منظمة التحرير الفلسطينية”، بالكيان، وقبولها بسيطرته على أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين التاريخية، وبتوقيع ياسر عرفات، شخصيا، الذي كان بمثابة رمز فلسطيني جامع، كان إعترافا مدويا لم يكن الكيان يحلم بمثله، فهو إعتراف من صاحب الأرض مباشرة، وهو أشد أنواع التطبيع خطورة، وعلى الرغم من هذا، فإن ما حصلت عليه السلطة الفلسطينية؛ لم يكن أكثر من دور أمني إستخباراتي لصالح أجهزة العدو في مواجهة الشعب الفلسطيني ذاته، وها هي مجريات الأحداث تثبت تهميش السلطة عن أي دور وطني، لتبقى في إطار التوظيف الصهيوني لها، ورغم كل التواطؤ من قبل السلطة، فإن الكيان لم يسمح لها بأي مهمة قد تخدم حق الشعب الفلسطيني في الحياة. بلغ الأمر مبلغا خطيرا بفرض الوصاية المباشرة على كل الضفة الغربية، تمهيدا لضمّها إلى الكيان المحتل.
كل هذا، أعاد إثارة قضية الأمن العربي، بقوة وإلحاح في ظل تلك العنجهية العنصرية الصهيونية، وعدم الإعتراف بأي حق للشعب الفلسطيني، وصولا إلى شن حرب إبادة جماعية تدميرية شاملة عليه، من دون أي إعتبار لأي إتفاقيات أو مواثيق أو قوانين أو مؤسسات تسمى دولية.
حتى في وسط دعاة الواقعية والسلام مع “إسرائيل”، عادت قضية الأمن المباشر لتكون على موائد الحوار، والبحث عن حلول ومخارج تضمن حدًا أدنى من الأمن والأمان النفسي والحياتي للإنسان العربي، نتيجة تمادي وتراكم العدوان الصهيوني.
الثاني:
عدم صدقية أي نوع من الحماية الخارجية لأي قطر عربي، لا صدقية ولا فعالية عملية، رغم كل الأثمان الباهظة التي تدفعها بعض الاقطار طلبا أو سعيا وراء حماية مطلوبة، ولكن غير متحققة، رغم الوعود المطلقة والعقود المبرمة والمبالغ المدفوعة، وحتى تلك الدول التي عمقت علاقاتها مع ألولايات المتحدة، بقصد ضمان أمنها وحمايته؛ لم تحصل عليها رغم انها إلتزمت بما يطلب منها، في حين لم تلتزم الدول الخارجية، وتحديدا أميركا، وما العدوان الإسرائيلي – الأميركي على قطر سوى أحد دلائل عدم الإلتزام إياه.
ثم كانت المشاركة الميدانية الواسعة للقوات الأمريكية (ومن ثم البريطانية وغيرها) في العدوان الصهيوني المستمر على غزة، وعموم فلسطين وغيرها؛ إثباتا لسقوط فكرة الحماية الدولية لبعض العرب من قبل أميركا أو سواها من الدول الغربية، فهي شريك لكيان العدو وراع له.
وهذا أيضا؛ أعاد طرح موضوع أمن العرب، بشكل ملح على جميع الباحثين من العرب عن سلام وأمن وأمان لبلادهم ومجتمعاتهم؛ حتى أولئك الذين لم يكونوا وحدويين يوما أو من دعاة القومية العربية، ومنهم من كان يسخفها ويعاديها ويعمل عكس توجهاتها الوحدوية.
الثالث:
إنتشار الدعوات التقسيمية في عموم الأقطار العربية، من عرقية وطائفية ومذهبية وقبلية وعشائرية؛ وتحولها إلى عمل ميداني تتولاه مؤسسات وجماعات وتنظيمات وأحزاب وميليشيات، تنشر الرعب، وتحرض على الآخر وتقتل وتستبيح وتأتمر بأوامر خارجية مشبوهة، مدعمة بالسلاح والأموال والنفوذ الواسع والحظوة الشاملة، سواء نشأت هذه الجماعات بإرادة محلية أو برغبة ورعاية أجنبية – وهذا هو الغالب الأعم – فإنها شكلت ولا تزال، خطرا على الأمن المجتمعي لكل العرب، وهم الذين تتميز مجتمعاتهم بالتنوع التاريخي المعبر عن حضارة متأصلة وغنى في التكوين وريادة في التكامل والإنصهار، حتى بات الإنسان “العربي”، يعاني من خلل وإضطراب في أمنه النفسي، يؤرقة ويعوّق حركته الإبداعية، ويستنزف جهوده التقدمية الباحثة عن التطور والإرتقاء.
إن واقعا كهذا أعاد وبإلحاح إثارة حوار الأمن في كل البلاد:
– الأمن المجتمعي للأقطار والدول..
– الأمن النفسي للإنسان..
إن محصلة هذا الحوار تتمثل في:
– الأمن العربي لا يمكن تحقيقه على قاعدة العمل المنفرد..
– لا يمكن لأي بلد عربي حماية ذاته وأهله بقوته الذاتية مهما بلغت..
هذا درس من الواقع وليس من فقه اللغة او سردية القومية أو مشتركات التاريخ والثقافة..
يتمم هذا البعد الأمني، بعد إستراتيجي آخر باتا يشكلان معا ركنين من أركان المستقبل العربي؛ المبني على وحدة المصير: هذا البعد الإستراتيجي المتمم، هو البعد الأقتصادي:
– إن إستنزاف الإمكانيات المادية للبلاد، لطلب حماية أمنية غير قائمة؛ أرهق إقتصادياتها وأهدر مواردها ولم يتحقق الأمن المطلوب..
وعوضا عن إستخدامها لتنمية المجتمع وتطويره، وتحديث أنماط العمل والإنتاج والبحث العلمي، تسخر في طلب أمن موهوم فيما الأخطار تأتي من الجهات “الحامية” أو الضامنة، الأمر الذي يبقي البلاد في حالة من الضعف الإقتصادي وعدم القدرة على إمتلاك مقومات قوة إقتصادية صناعية – علمية – تنموية؛ ما يدخلها في حالة من التبعية الإقتصادية التي تلحق بها تبعية سياسية خطيرة.
هذا الثلاثي، أمن مختل وتنمية متعثرة وتبعية إقتصادية وسياسية، يدخل البلاد في دوامة من الإضطراب والخوف على المصير، والإرتباك في مواجهة المستقبل، وهو ما يبقيها في مواضع الإستهداف الواقع أو المتوقع والخطر القائم أو الكامن القابل للإنفجار في أي وقت.
وهكذا تجتمع الأركان الثلاثة، وتصوغ واقعًا عربيًا مضطربًا، وأمنًا مفتقدًا وتشتتًا يستتبع خذلانا وضعفا وترديا:
1- المشروع التوسعي الصهيوني..
2 – إبتزاز الحمايات الدولية..
3 – إختلال الوحدات المجتمعية بإنتشار العصبيات التقسيمية والإنفصالية.
هذا الواقع يعيد إثارة موضوع المصير العربي منفردا ومجتمعا، لتكون النتيجة المنبثقة من قلب الوقائع والأحداث جلية لم تعد مثار تشكيك أو رفض:
– الأمن العربي لا تصنعه الدول منفردة فهو فوق قدرتها على صناعته؛ بما فيه الأمن الذاتي لكل قطر على حدة، فلم يبق إلا عمل موحد يشارك الجميع فيه لحماية الأمن الذاتي للجزء والأمن العام للكل..
تثبت الوقائع التي يدركها اي مواطن حر التفكير وببساطة واضحة؛
إن أمن الخليج العربي، من أمن اليمن، وأمن اليمن من أمن الخليج، وأمن مصر من أمن السودان، وأمن السودان من امن ليبيا، وأمن ليبيا من أمن الجزائر، وأمن الجزائر من أمن المغرب، كما أن أمن مصر من أمن فلسطين، وأمن لبنان، من أمن سوريا، وأمن سوريا من أمن العراق.. وهكذا.. وأمن الجميع من أمن فلسطين، ومصيرهم رهن بتحريرها وتحريرها، رهن بإمتلاكهم قوة كافية لذلك وإمتلاكهم هذه القوة، رهن بإتحادهم أو وحدتهم في بناء واحد جامع، سواء أكانوا وحدويين قوميين عرب أم لم يكونوا؛ فإن هذه حقيقة واضحة لكل من يهتم ويفكر بتوفير أمن لمجتمعه، وأمان لبلاده، وليس هذا إلا جوهر الدعوة الوحدوية من منطلق الضرورات الحياتية والوجودية، ليست ترفًا فكريًا ولا موضة ثقافية، ولا نزعة شوفينية ولكنها ضرورة حياتية وجودية.
إن الدرس العملاني من واقع تجربة الوحدة المصرية السورية (1958) ومن كل الوقائع المتراكمة عبر التاريخ العربي، وصولا إلى كل ما تلا مؤامرة الإنفصال (1961) تؤكد المعادلة التالية:
كل اعداء الوحدة العربية هم أنفسهم – وعبر كل التجارب – أعداء التقدم العربي، هم الذين يصادرون حرية وامن وموارد الكل وكل الأجزاء منفردين، واحدًا تلو الآخر، وكل أعداء التقدم العربي، هم أعداء شرسون لأي وحدة عربية، وأي صورة من صورها.
وأنه لم تتحرر أرض عربية، ولم ينتصر العرب في مواجهة، إلا حينما كانوا متحدين، وكلما تنازعوا بينهم خسروا قوتهم، وفقدوا حريتهم وخضعوا للمحتل الأجنبي..
بناء عليه:
– فإن كل مخلص لمستقبل بلده وأمن مجتمعه وتقدمه، لا سبيل لنجاحه إلا على قاعدة العمل التوحيدي العربي لمواجهة الأخطار من كل المصادر..
لم يعد الخيار بين وحدوي وإنفصالي، بل بات بين تبعي مرتهن وعربي مخلص، ولن تحقق التبعية النابعة من التجزئة إلا المزيد من الإنكسار والخسران والضآلة والضعف للجزء الواحد وللكل مجتمعا..
وحتى على إفتراض غياب أي قواسم تكوينية تاريخية مشتركة، بين هذه المجتمعات التي تعيش بين المحيط الأطلسي والخليج العربي؛ فإن واقعها الجغرافي المتكامل الأبعاد والمتداخل بريا وبحريا؛ وعدم قدرة أي منها على حماية أمنه ومقدراته ووجود أخطار مشتركة تهددهم جميعا؛ يجعل قضية إتحادهم في قوة واحدة؛ أمرًا ضروريًا وملحًا لحماية وجودهم، بعد أن إستنفذ كل جزء منهم كامل قوته، ولم يحقق غاياته في الإستقرار المجتمعي والأمن النفسي والإستقلال الإقتصادي والسياسي، وبالتالي، إمتلاك القدرة على صنع التقدم وتنمية الموارد البشرية والطبيعية وحماية المصير وبناء المستقبل..
ألم يكن هكذا واقع حال دول أوروبا، قبل أن تبادر الى الإتحاد، بعد أن إستنفذت قدراتها في حماية أمنها وصنع مستقبلها كما تريد؟
“الإتحاد الأوروبي”، يخاطب بعضه بخمسة وعشرين لغة مختلفة، والعرب لغتهم عربية واحدة موحدة..
تاريخ أوروبا حتى سنوات قريبة، كان تاريخ تذابح ومعارك وحروب ممتدة عبر مئات السنين، ولم يكن هكذا حال تاريخ العرب، رغم أحداث وفتن ونزاعات سلطوية وفئوية.
في الحرب العالمية (الأوروبية) الثانية؛ قتل الأوروبيون ما يقارب الخمسين مليونًا من أبناء بلادهم الأوروبية، حدث هذا قبل ثمانية عقود فقط، ومع ذلك وحدتهم ضرورات الأمن وحيثيات الحياة..
ألا يكفي هذا ليعمل العرب النافذون على تحقيق وحدة أمتهم العربية، أقله بدوافع الأمن الذاتي والإستقلال والتنمية؛ إن لم يكن بدافع كل ما هو مشترك أصيل وهو الأغلب الأعم الكثير؟!



