مقالات

بن زايد أبلغ نتنياهو عن نوايا السنوار قبل أيام من عملية “7 أكتوبر” ولكنه لم يطلع قادة الأمن عليها!

بن زايد ونتنياهو

“المدارنت”
كانت تلك هي الأيام الاخيرة في شهر أيلول 2023، كانت العمليات الارهابية تشعل الضفة الغربية، وكانت حشود من سكان غزة تتظاهر بانتظام امام الجدار الحدودي، وكانت إسرائيل تعاني من الصراعات الداخلية حول قوانين الانقلاب النظامي، كانت الاجواء مشبعة ببخار البنزين، وشعر كل من تابع الاحداث بوعي كامل ان النيران كانت تتربص في كل زاوية.

كان محمد بن زايد، حاكم أبو ظبي ورئيس دولة الإمارات العربية قلق جدا. يقول الرئيس الإسرائيلي اسحق هرتسوغ الذي تربطه علاقة وثيقة ببن زايد: “لقد تحدث معي كثيرا عن هذا الأمر في الأشهر التي سبقت الحرب. كان يكرر رسائله بضرورة تهدئة الأوضاع في المنطقة. وحتى انه أرسل مبعوثا خاصا إلى إسرائيل التقى مع رئيس الحكومة. ظهر الأمير وكأنه يشعر بان المنطقة على شفا الانفجار”.

أيضا تعود بن زايد على التحدث مع نتنياهو شخصيا. كانت هذه المحادثات تجرى وفقا للإجراءات المتبعة: حيث كان يأتي ممثل عن سفارة الإمارات إلى مكتب رئيس الحكومة حاملا معه هاتفا خاصا كي يضمن سرية المكالمة. ولكن في هذه المرة كانت المحادثة التي بدأها بن زايد غير معتادة. فقبل 7 اكتوبر بأسبوع ونصف اتصل الأمير مع نتنياهو من القصر الرئاسي في أبو ظبي وتحدث معه مدة 45 دقيقة. في هذه المحادثة قال بن زايد إن يحيى السنوار، زعيم حماس في غزة، يخطط لتحرك كبير ضد إسرائيل. وأظهر الأمير القلق من ان الحادث المذكور لن يؤدي فقط إلى سفك الدماء، بل هو سيهز كل المنطقة وسيضر باتفاقات ابراهيم.

وقد تم اطلاع ثلاثة مصادر أجنبية رفيعة المستوى على مضمون المحادثة، التي يكشف عنها هنا لأول مرة. يأتي اكتشافها نتيجة بحث معمق استند إلى عشرات المصادر في إسرائيل وفي الخارج، بما في ذلك مصادر رفيعة المستوى، إضافة إلى تسجيلات ووثائق ومراسلات داخلية. وقد تم إجراء هذا البحث من أجل كتاب “مخطوفون: 843 يوما من الحرمان” (دار النشر كنيرت زمورا) لكاتب هذه السطور والذي سيصدر في هذه الأيام.

أيضا شارك في المحادثة مستشار مقرب من الأمير، وهو فلسطيني هاجر من غزة إلى أبو ظبي قبل سنوات، وما زال يحتفظ بعلاقة وثيقة مع القطاع. ويقول المستشار إن بن زايد أوضح لنتنياهو ضرورة الاستعداد لهذا التهديد، وقال أيضا في شهادته: “الأمير أوضح بأن السنوار حسب رأيه، كان يعد لحدث مهم، وقال لنتنياهو بأنه من الأفضل لإسرائيل ان تكون مستعدة. وفي الوقت نفسه أوصى بمحاولة ايجاد حل اقتصادي لقطاع غزة وتهدئة الأوضاع في الضفة الغربية لمنع التصعيد”.

وحث بن زايد نتنياهو على التعامل بجدية مع الوضع. لكن، للدهشة، كان رد فعل رئيس الحكومة هادئ نسبيا إزاء المعلومات. وقال نتنياهو إنه يعتقد أن حماس تنوي العمل في الضفة الغربية، وطمأن بن زايد بأن إسرائيل مستعدة لأي سيناريو.
وسيروي الأمير بعد ذلك المحادثة التي جرت بينه وبين نتنياهو والتحذير الذي وجهه أيضا إلى رئيس الـ “سي.آي.ايه” وليام بيرنز. أيضا شارك بن زايد بيرنز شعوره الذي حاول أن يوصله لنتنياهو بأن هناك “شيئا ما على وشك الانفجار”. وقال له إن نتنياهو يعتقد أن المنطقة الأكثر عرضة للتأثير هي الضفة الغربية.

وقال المستشار في شهادته: “كان الأمير يأمل، رغم تردده في الرد، أن يأخذ نتنياهو الرسالة على محمل الجد ويتخذ إجراء”. لم يتخيل أي واحد منهم أن رئيس الحكومة سيسمع هذه الأقوال بدون إبلاغ رؤساء المؤسسة الأمنية. رئيس الشاباك ورئيس الموساد ورئيس الأركان – لم يكن أي واحد منهم يعرف عن تحذير الأمير. لم يبلغ نتنياهو أي واحد منهم.

من اجل فهم مصدر هذا التحذير الاستثنائي، ولماذا صدر بالتحديد من خلال أمير أبو ظبي، يجب العودة إلى ما جرى وراء الكواليس في الأشهر التي سبقته. في تلك الأشهر، بمعرفة نتنياهو وموافقته، جرت محادثات بين إسرائيل وحماس حول خطة الهدنة التي كانت تهدف إلى تعزيز تسوية بعيدة المدى في قطاع غزة.


بدأت المحادثات بشكل سري في بداية العام 2023، بالتزامن مع وصول حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة إلى الحكم. عين السنوار لهذه المهمة غازي حمد، عضو المكتب السياسي في حماس والذي يعرف اللغة العبرية وكان مشاركا في المحادثات السرية لإطلاق سراح الجندي المخطوف جلعاد شليط. في الوقت نفسه تم تجنيد مسؤول كبير في حركة فتح يتكلم اللغة العبرية بطلاقة، والذي سيسمى هنا “العيون الفحمية” (وهو تعبير لاعتبارات أمنية)، وهو معروف بسمعته الطيبة كشخص جدير بالثقة، ويحصل على موافقة كل من حماس وجهاز الشاباك.

تمثل دور العيون الفحمية في نقل الرسائل بين الطرفين، حتى لا يظهر الأمر وكأن هناك صلة مباشرة بين حماس وإسرائيل. كانت هذه المحادثات شبه مباشرة، وكان غازي حمد والعيون الفحمية يجلسان في منزل ناصر السراج في غزة، الذي شغل في السابق منصب نائب مدير وزارة الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية. ومن الطرف الإسرائيلي كان عيدي روتم، رئيس قسم الأسرى والمفقودين في الشاباك. ولأن الاضطرابات في غزة كانت تضر بمصر أيضا فقد استند جزء كبير من النقاشات إلى اتفاقيات مسبقة بين إسرائيل ومصر. ومع ذلك قال أحد اعضاء الشاباك المشاركين في الإعداد للمحادثات: “كانت هذه القناة المباشرة أكثر وضوحا للمصريين، خشية أن يشعروا بالإهانة نتيجة إبعادهم. لذلك، اصبحت قناة شخصية حرص نتنياهو على تطويرها”.

تناولت المحادثات في البداية الرفع التدريجي للحصار المفروض على قطاع غزة وزيادة كمية المواد الغذائية والمواد الخام التي تدخل إلى القطاع. أيضا طرحت فكرة جديدة لإقامة مناطق تجارية على حدود القطاع مع إسرائيل ومصر، الأمر الذي كان سيوفر آلاف اماكن العمل للعاطلين عن العمل في غزة. وأظهر المصريون أيضا الاستعداد لسماح المرور الآمن لسكان غزة في الطريق إلى مطار شرم الشيخ، الأمر الذي يتيح لهم الوصول إلى العالم الحر. أيضا طرح اقتراح تزويد القطاع بالغاز الطبيعي من حقل غاز غزة البحري الذي اكتشف في العام 2000 قبالة شواطئ غزة. وقد أُطلق على هذا الاقتراح اسم “غاز لغزة”.

في صيف 2023 ظهر أن كل المسائل الاقتصادية قد حسمت، وأن البند الأكثر حساسية فقط هو ما بقي على جدول الاعمال، وهو إطلاق سراح الاسرى الإسرائيليين وجثامين الجنود المحتجزين في قطاع غزة. مقابل إعادة ابراهام منغيستو وهشام السيد وجثامين هدار غولدن واورون شاؤول، طلب السنوار اطلاق سراح 500 من سجناء حماس. بعد ذلك اظهر الاستعداد لخفض هذا العدد إلى 200 سجين. وبعد مفاوضات صعبة وافق على إطلاق سراح 50 سجينا فقط. كان الشاباك يميل إلى قبول إطلاق سراح 30 سجينا، 20 من بينهم محكوم عليهم بالمؤبد، من قائمة وصفت بانها “سهلة على القبول” بالنسبة لإسرائيل مقابل اعادة الإسرائيليين الأربعة.

كانت الأجواء متفائلة جدا، إلى درجة أن “العيون الفحمية” تعود على التصريح دائما بأن الاتفاق مع إسرائيل أصبح قريبا أكثر من أي وقت مضى، وأن الطرفين ينظران إلى الاقتراحات بأنها “خيارات قابلة للتنفيذ”. وشهد أحد قادة حماس الذي شارك في هذه المبادرات وقال: “كان يخرج في كل مرة بحماس كبير ويقول لأصدقائه: ها هو الأمر يحدث”.

وأكد مصدر أمني إسرائيلي، كان مشاركا في الإعداد للمحادثات، على أنه “في نهاية آب 2023 وافق نتنياهو على إطلاق سراح 30 سجينا، من بينهم 20 محكوم عليهم بالمؤبد، سيختارهم الشاباك”. وحسب هذا المصدر فإن “كل ما كان مطلوب في هذه المرحلة هو موافقة “اللجنة الوزارية للأسرى والمفقودين”، التي كانت موافقتها ضرورية لإطلاق سراح السجناء، لا سيما المحكوم عليهم بالسجن المؤبد”.

ولكن نتنياهو قام دائما بتأجيل عقد اللجنة. ربما هو فعل ذلك خشية التوصل إلى اتفاق مع حماس، أو ربما خشية من رد فعل شركائه المتطرفين في الحكومة الجديدة. كان يبلغ من يمثلون الشاباك الذين كانوا يديرون القناة مع حماس، أنه يخشى تسريب هذا النبأ إلى وسائل الاعلام. وقال نس المصدر نفسه: “هكذا توقف الأمر أسبوعا تلو أسبوع”.

عندما بدأ السنوار يظهر القلق من توقف العمل، حاول غازي حمد والعيون الفحمية طمأنته بان سبب التأخير هو انشغال نتنياهو بالاضطرابات الكبيرة التي كانت تعصف بإسرائيل في ذلك الحين، والتي تتمثل بالترويج لـ”الإصلاح القانوني” والاحتجاجات الشعبية الكبيرة التي اندلعت في أعقابه.
في ظل هذه الاضطرابات الداخلية المتواصلة في إسرائيل ترسخ بالتدريج لدى تحالف المقاومة المكون من إيران وحماس وحزب الله الاعتقاد بان إسرائيل أصبحت أكثر عرضة للخطر، وانهم قادرون على توحيد الصفوف وشن حملة منسقة لهزيمتها. وتشير وثائق داخلية إلى أن كبار المسؤولين في حماس بدأوا في تكثيف مناشدتهم لإيران في ذلك الحين، وطلبوا منها تمويل الهجوم.

في بداية أيلول 2023 قطع السنوار فجأة كل الاتصالات مع الطاقم الذي كان يجري المفاوضات. قال مسؤول رفيع في الشاباك: “لقد اختفى كليا عن رادارنا، لقد تبخر”. واوضح مصدر في حماس أن السنوار نفد صبره من وتيرة الإسرائيليين البطيئة.
هكذا تم قطع قناة الاتصال المباشرة التي اقيمت بين عميل الشاباك عيدي روتم ورجل حماس غازي حمد، التي كانت تدار بموافقة نتنياهو. بالمناسبة، عادت هذه القناة إلى العمل بكل طاقتها بعد عام على المذبحة، في أيلول 2024، عندما اشتدت الحاجة إلى إنقاذ صفقة الرهائن المتعثرة.

في 23 أيلول، قبل حدوث ما حدث، رتب السنوار اجتماعا خاصا مع العيون الفحمية، أحد اعضاء فتح، وقال له بشكل حازم: “قل للإسرائيليين بأنني سأعد لهم مفاجأة كبيرة اذا لم يتقدموا في المحادثات”. هنا استخدم كلمة كان من المفروض ان تنذرهم بالخطر. “قل لهم ان يتوقعوا زلزالا”.
غادر العيون الفحمية الاجتماع وهو في حالة صدمة. فقرر استشارة صديق مقرب منه، الفلسطيني نفسه الذي هاجر من غزة إلى أبو ظبي وعمل كمستشار مقرب للأمير بن زايد.

قال المستشار: “كان العيون الفحمية منزعجا. فقد كان من الواضح له أن العملية التي يتحدث عنها السنوار قد تؤثر على منطقة الشرق الأوسط كلها. ولكنه كان يخشى إبلاغ الشاباك بشكل مباشر. ومن ناحية اخرى، كان يخشى أكثر من ذلك اتهام الإسرائيليين له بالتواطؤ مع السنوار إذا لم يبلغ الشاباك بذلك. لقد كان يخشى على حياته وبحق”. لذلك، قرر توصيل الرسالة إلى بن زايد.
سأل بن زايد المستشار الذي نقل رسالة التحذير من السنوار: ما الذي يعنيه ذلك؟. المستشار أجاب: إذا قال زلزالا فهذا يعني حرب. سأل الأمير: هل أنت متأكد. المستشار أجاب: لا، هذا تفسيري وهذا ما فهمه العيون الفحمية أيضا.

تأمل الأمير وتردد. كان يقلق من احتمالية ان يؤدي مجرد التحذير من نية حماس اشعال حرب، في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة، إلى اشعال الفتيل، ربما بضربة استباقية لإسرائيل. واخيرا قرر: “إذا لم نكن متأكدين فنحن لن نوجه أي تحذير للإسرائيليين في الوقت الحالي. سنفحص الأمر بتعمق حتى نتأكد”.
من أجل فهم مستوى خطر تهديد السنوار طلب من العيون الفحمية عقد لقاء آخر معه في غزة، وتم عقده في منتصف أيلول 2023. سأل السنوار: هذا جيد. هل أوصلت الرسالة إلى الإسرائيليين؟. الوسيط أجاب: لا.

تنفس السنوار الصعداء، وفي صمت هادئ قال: “قل لهم بانني أعد لهم مفاجأة من ارض المفاجآت، عملية مخيفة. شيء غير عادي”. وكرر كلمة زلزال مرارا وتكرارا وقال: “رجاء، انقلوا ما أقوله حرفيا للإسرائيليين”.
كان العيون الفحمية قد اتصل بالفعل مع مستشار الأمير الغزي لإبلاغه كلام السنوار. ويتذكر المستشار ويقول: “لقد طلبت منه معرفة كل التفاصيل، بما في ذلك لغة جسد السنوار ونبرته والسياق الذي قيلت فيه هذه الأقوال، خاصة فيما يتعلق بالتحذير من “زلزال”، واقترحت عليه مغادرة القطاع بسرعة والالتقاء في بيتي بشكل منفرد”.

في نهاية اللقاء أدركت أنني أنا والعيون الفحمية فهمنا الرسالة بشكل جيد. ابلغ المستشار بن زايد بانطباعه عن المحادثة وأدرك الأمير خطورة التهديد وقرر أن “رسالة السنوار يجب نقلها إلى الإسرائيليين، إلى أعلى المستويات وفي أسرع وقت ممكن”. وبالفعل، في 15 أيلول نقل العيون الفحمية والمستشار التحذير إلى جهاز الشاباك. طلب رئيس الشاباك في حينه رونين بار إجراء مكالمة هاتفية على الفور مع رئيس الحكومة، رتبها السكرتير العسكري لنتنياهو آفي غيل. واثناء المكالمة ابلغ رونين بار رئيس الحكومة نتنياهو بتهديد السنوار بـ”زلزال”، وتقرر عقد اجتماع أمني يشمل كل الأجهزة الأمنية المعنية.

لماذا أرسل لنا السنوار تحذيرا؟ سأل مسؤول رفيع في الاستخبارات سؤالا بلاغيا: “إما أنه سئم من مماطلة إسرائيل وأراد الضغط علينا من أجل التوصل إلى اتفاق، ولم يكن متحمسا لشن حرب، أو، كما نفضل الاعتقاد، كان هذا جزء من خطة “الخداع الكبير” التي دبرها، وأراد اختبار جاهزية الجيش الإسرائيلي”.

في الحالتين لم تقدم المؤسسة الأمنية على اخطار غير ضرورية. تم عقد النقاش الأمني بعد يومين، في 17 أيلول، وشارك فيه وزير الدفاع يوآف غالنت وممثلين عن جهاز الاستخبارات. وفي ختام النقاش تقرر عقد اجتماع عمل مع رئيس الحكومة في اليوم نفسه. أيضا تم استدعاء ممثلين عن الموساد وهيئة الامن القومي لهذا النقاش. ممثلو الشاباك قدروا في الاجتماع، استنادا إلى مراجعة معلومات استخبارية جديدة، أن السنوار ربما يخطط لوضع اليد على اليزابيث سوركوف، الباحثة الإسرائيلية التي تم اختطافها واحتجازها في العراق في ذلك الحين، من اجل زيادة عدد السجناء الفلسطينيين الذين سيحصل عليهم مقابل إطلاق سراحها.

وقال رئيس الشاباك ان هذا فقط تقييم اولي، وأن التحذير يجب أخذه على محمل الجد لأنه يظهر غياب ردع إسرائيل، وأننا في “مسار صراع”. واوصى رونين بار باتباع أسلوب الإخماد بالتفجير – مصطلح يطلق على القيام بهجوم قوي ومفاجئ بهدف تحييد تهديد كبير وبسرعة، أو على الأقل تنفيذ “إجراءات دفاع كثيفة” في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، حتى لو كإجراء تحضيري للأعياد. وفي نهاية النقاش لم يتم اتخاذ أي قرارات.

بسبب أن إسرائيل لم تستجب للتحذير الواضح الذي وجه للشاباك، قرر أمير أبو ظبي إجراء محادثة مباشرة مع رئيس الحكومة الإسرائيلية. وهكذا بدأت المحادثة التي استمرت 45 دقيقة في نهاية شهر أيلول، والتي نقل خلالها لنتنياهو تحذيرا من نوايا السنوار.
في الوقت نفسه وصلت إلى مكتب رئيس الحكومة محادثة مشابهة من وزير المخابرات المصرية، اللواء عباس كامل، الذي حذر نتنياهو من “شيء غير عادي، عملية مخيفة، على وشك أن تنفذها حماس”. وقد قالت المراسلة سميدار بيري، التي نشرت التصريحات في “يديعوت احرونوت” أن نتنياهو قال لكامل: “في غزة نحن مستعدون ونسيطر على الوضع. المشكلة تكمن في الضفة الغربية، نحن سنقوم بإرسال القوات إلى هناك”.

في 1 تشرين الاول، في نقاش تناول أعمال الشغب على الجدار الحدودي مع غزة وتحديد نوايا حماس لشن هجوم في الضفة الغربية، أوصى رئيس الشاباك من جديد باغتيال مسؤولين كبار، بمن فيهم السنوار، الذي “يظهر علامات الغطرسة”. ومثلما في المرات السابقة التي عرض فيها الاقتراح عليه أجاب نتنياهو: “قوموا بإعداد خطط لي وأنا سأفحصها”. وقال مسؤول أمني رفيع: “هو لم يرفض أبدا. هذه كانت طريقته دائما في تأجيل علاج المشكلة”. وتذكر مسؤول رفيع آخر شارك في النقاش أن رئيس الحكومة قال في الختام: “استمروا في العمل على القدرات، لكن في الوقت الحالي قوموا بتهدئة الوضع”. خلال الاجتماع لم يشر رئيس الحكومة إلى مكالمات التحذير التي وصلت إليه.

مسؤول رفيع في الشاباك قال: “لو كنا نعرف عن هذه التحذيرات لكان من المحتمل أن يعطي ذلك وزنا أكبر للرسالة الأولى التي وصلتنا من السنوار. ربما كان ذلك سيوضح أيضا الدافع لانسحابه المفاجئ في بداية شهر أيلول من محادثات التسوية. ربما كنا أجرينا جولة تلو جولة وتوصلنا إلى استنتاج مختلف كليا عن الاستنتاج الذي توصلنا إليه. استنتاج كان سيغير الصورة الكاملة لتقديراتنا”.

تعود جذور العلاقة المعقدة بين نتنياهو والسنوار إلى سنوات سابقة، عند اطلاق سراح السنوار من السجن الإسرائيلي بموجب اتفاق شليط في العام 2011. بعد سيطرته بشكل حازم على كل مراكز القوة في القطاع بدأ السنوار في صياغة استراتيجية جديدة مع مسارين، تهدف إلى انتشال غزة من المستنقع. قال أحد كبار المسؤولين في الاستخبارات الذي عرف السنوار عن كثب في حينه: “من البداية، ربما وهو ما يزال في السجن، كان للسنوار خياران في عقله. فمن جهة، سارع إلى تطوير القدرات العسكرية لحماس وحولها إلى جيش ارهابي قوي، واجه إسرائيل مرارا وتكرارا. ومن جهة اخرى، بدأ يدرك ان غزة تتم هزيمتها في كل جولات القتال. لذلك، رغم كراهيته الشديدة لإسرائيل، رأى انه من الضروري إعطاء فرصة لمحاولة التوصل إلى اتفاق يسمح بعودة الحياة إلى طبيعتها في غزة، قبل زج جيش حماس في العمل اذا لم ينجح هذا الاتفاق”.

في العام 2017 قرر السنوار خطوة مفاجئة. فقد تواصل مع خصمه اللدود، القيادي السابق في حركة فتح ورجل الاعمال الحالي محمد دحلان. كلاهما في الجيل نفسه ومن خانيونس، عرفا بعضهما في اثناء الدراسة الجامعية في غزة، وحتى ذلك الحين كان بينهما عداء كبير. تصاعدت التوترات بينهما عندما شن دحلان، الذي كان رئيس الأمن الوقائي في السلطة الفلسطينية في فترة سيطرتها على قطاع غزة، حربا شاملة على قادة حماس. وعندما استولت حماس على السلطة في غزة بالقوة كان دحلان على رأس قائمة المستهدفين بالاغتيال.

لكن السنوار اعتقد في حينه أنه يمكنه استغلال دحلان وعلاقته التي بناها مع الحكومة المصرية واجهزة الامن الإسرائيلية. في صيف 2017، بعد اربعين سنة من القطيعة والعداء، وصل السنوار إلى منزل دحلان في القاهرة بمرافقة عدد من كبار قادة حماس، من بينهم محمد ضيف، رئيس الذراع العسكري، وموسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي في حماس، من اجل الالتقاء معه.

شرح السنوار لدحلان المعاناة الشديدة التي تعيش فيها غزة، وعمل إلى إرسال رسالة لنتنياهو بواسطته حول رغبته في التوصل إلى تسوية مرضية. جوهر هذه التسوية هو تخفيف الحصار وإنعاش اقتصاد غزة، لا سيما من خلال توفير فرص عمل إضافية. أشرك دحلان المصريين في الأمر للمساعدة في التوسط بين السنوار ونتنياهو. وقد أدت هذه المبادرة إلى انشاء شبكة علاقات عمل غير مباشرة بين إسرائيل وحماس.

وتم الكشف عن بعض هذه الاتصالات بعد ذلك في 2022 عندما كشف رئيس مجلس الأمن القومي في حينه مئير بن شبات في مقابلة مع “يديعوت احرونوت” عن المفاوضات التي جرت مع السنوار بشأن الاتفاق. وقد عرض بن شبات ورقة أرسلها السنوار لنتنياهو في 2018، كتب فيها باللغة العبرية “مخاطرة محسوبة”. وقال بن شبات: “هذه كانت من اللحظات الجميلة في هذه العملية. أنا أفهم من ذلك أن السنوار يتابع باهتمام ما يحدث في الطرف الإسرائيلي، ويحلل كل كلمة تخرج من فم السياسيين، ويعرف المعضلات ويضيف إليها رأيه الخاص”.

في آب 2018 تبلورت المحادثات إلى اجتماع عقده كبار المسؤولين في إسرائيل حول الموضوع بحضور رئيس الحكومة. في الاجتماع تم عرض خطة منظمة لصياغة اتفاق يتم وفقا له إعادة الأسرى الأربعة مقابل وقف متبادل لإطلاق النار وموافقة إسرائيل على ترتيبات وتخفيف كبير للحصار المفروض على غزة. وتناولت المرحلة الثانية اتفاق التبادل نفسه. فمقابل إطلاق حماس لسراح الأربعة وافقت إسرائيل على اطلاق سراح سجناء حماس، بمن فيهم من تم اعتقالهم في عملية “الجرف الصامد”، باستثناء المتورطين في عمليات إرهابية خطيرة. وجاء في الوثيقة النهائية للاجتماع أن “تأجيل صفقة تبادل الأسرى والمفقودين قد يؤدي إلى تأجيل إعادة الأسرى والمفقودين لسنوات”.

وخلص كبار المسؤولين الأمنيين إلى أن الظروف الحالية هي الأنسب لإسرائيل من أجل التوصل إلى اتفاق لتبادل الأسرى بثمن معقول. وختم نتنياهو النقاش وتعهد باتخاذ قرار. ولكن الوقت مر وبدأ نتنياهو يتردد ويقوم بتأجيل الموافقة على عملية التسوية.
من جهة أخرى عندما لاحظت الأجهزة الأمنية فرط نشاطات حماس العملياتية الزائدة، رفض نتنياهو دائما الإذن ببدء عملية واسعة النطاق ضدها. وقال ضابط كبير “هذا الإجراء كان متبعا بالفعل، هم يطلقون الصواريخ ونحن نرد على ذلك. بعد ذلك تندلع جولة قتال وينهك سكان الغلاف، وهذا يكلف أموالا كثيرة. أراد الجيش شن عملية عسكرية واسعة النطاق في غزة عدة مرات. ولكن حكومة من وعد قبل انتخابه بـ”الوقوف بحزم ضد حماس” صممت على عدم التصعيد وحماية “الذخر” (حماس). كانوا يقولون لنا: “اهدأوا، دعونا نركز على المنطقة الشمالية وإيران”.


لواء سابق في هيئة الاركان قال: “سمعت رئيس الاركان هرتسي هليفي وهو ينتقد سياسة الاحتواء التي يتبعها نتنياهو أكثر من مرة، وكان يصفها في النقاشات بطريقة بليغة: “الأمر يشبه وجود مسمار بارز في حائط البيت. وبدلا من سحبه أنت تجمع كل ابناء العائلة، بما في ذلك الأطفال، وتقول لهم: في كل مرة تمرون من هنا احذروا المسمار”.
بعد ذلك تفشى وباء الكورونا وانقطعت العلاقة بين حماس وإسرائيل، وركزت إسرائيل على علاج المشكلات الجديدة التي فرضتها الجائحة. في حين واصل السنوار استثمار الكثير من الجهد والمال في تطوير مشروع الأنفاق في غزة، وفي تدريب وتسليح جيش حماس استعدادا لذلك اليوم. مرت ثلاث سنوات أخرى وجاء اليوم الموعود.

في الساعة 6:29 صباح 7 تشرين الاول 2023 جاء الزلزال، وحتى الظهر كانت الشبكات الاجتماعية في إسرائيل وفي العالم تعج بالتوثيقات المخيفة عن المذبحة والقتل في بث مباشر وإحراق البيوت والدمار. وشوهد المواطنون وهم يخطفون إلى قطاع غزة. عندما عقد الكابينت الساعة 14:25 لم تكن هناك أي فكرة عن عدد المخطوفين: هناك 14 جنديا و28 مدنيا تم اختطافهم وعشرات انقطع الاتصال معهم، حسب اقوال رئيس الشاباك. وزير المالية بتسلئيل سموتريتش طلب تجاهل المخطوفين لأنه لا يمكن التصرف ضمن هذا التفكير. وأصدر وزير الدفاع في حينه يوآف غالنت تعليماته للجيش، “تصرفوا بدون أي تفاوض”. وقال “هم سيتحدثون معنا فقط عندما سيكونون في الحضيض، ورؤوسهم تحت المياه”.

مصدر رفيع في جهاز الأمن اعترف أنه على الأقل جزء من الاقتراحات لإطلاق سراح المخطوفين المدنيين وصلت إلى الموساد والشاباك ورئيس الحكومة. ولكن حسب قول هذا المصدر، حتى لو كانت متبلورة فإن المنظومة العسكرية التي كانت بحاجة إلى 24 ساعة من أجل السيطرة على الوضع، وكذلك المنظومة السياسية المصابة بالصدمة، لم تكن جاهزة لمناقشة الموضوع في الأيام الأولى للحرب. يجب القول بنزاهة أن “موضوع المخطوفين لم يقف بجدية على سلم الأولويات في تلك المرحلة”.

شلومي الدار وروت يوفال/ “هآرتس” العبرية
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى