بين الثورة والترف.. حين تتباعد الطريق عن غايتها!

خاص “المدارنت”
في خضم التجارب التاريخية التي شكّلت مسار حركات التحرر، تبرز دائماً حقيقة مفادها أن الثورات لا تنتصر بالشعارات وحدها، بل بالانضباط الأخلاقي والارتباط العميق بمعاناة الشعوب. ويُروى في هذا السياق أن الوفد الفيتنامي، خلال مفاوضات باريس التي أفضت إلى اتفاقيات باريس للسلام، رفض مظاهر الرفاهية التي أُعدّت له، واختار البساطة حفاظاً على صفاء القضية ونقاء الهدف.
سواء كانت تفاصيل هذه الرواية دقيقة أم رمزية، فإن دلالتها واضحة: حين تقترب الثورة من الترف، تبتعد عن روحها الأولى.
هذه الفكرة ليست مجرد حكاية، بل مدخل لفهم واقعٍ أكثر تعقيداً، عايشه كاتب هذه السطور في محطات مختلفة.
ففي مطلع الثمانينات، وأثناء زيارة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات إلى اليونان عقب خروجه من لبنان، قصدت السفارة الفلسطينية في أثينا للقائه. غير أن ما رأيته عند مدخل السفارة كان كفيلاً بتغيير انطباعي؛ سلال متكدسة تضم مشروبات فاخرة، تحمل أسماء مسؤولين وشخصيات مرموقة. لم يكن المشهد عادياً بالنسبة لمن جاء يبحث عن روح ثورة، بل كان صادماً إلى حدٍ دفعني للانصراف فوراً، وأنا أتساءل: هل يمكن لقيادةٍ تعيش هذا النمط أن تعكس آلام شعبٍ يرزح تحت اللجوء والمعاناة؟
وفي مناسبة أخرى بطرابلس، خلال لقاء دعا إليه الزعيم الليبي معمر القذافي، وجمع عدداً من قادة الفصائل الفلسطينية، من بينهم جورج حبش ونايف حواتمة وأحمد جبريل وأبو نضال، لفت الانتباه أسلوب الخطاب الحاد الذي وُجّه إليهم، والذي بلغ أحياناً حد القسوة، في مقابل صمتٍ مطبق من الحاضرين.
وفي لقاء لاحق، عبّر القذافي بوضوح عن خيبة أمله، مشيراً إلى أن ما قُدّم من دعم لم يُستثمر في مساره الصحيح، وأن المصالح الخاصة طغت على الأهداف الكبرى، مما أفقد المشروع زخمه وفاعليته.

إن هذه الوقائع، بما تحمله من رمزية أو مباشرة، تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لثورة أن تنتصر إذا فقدت قيادتها صلتها بحقيقة ما يعانيه شعبها؟ وكيف يُرجى التغيير من مشروعٍ لم يعد يعكس جوهره الأول؟
الخلاصة
ليست المشكلة في ضعف الإمكانات، ولا في قسوة الظروف وحدها، بل في اللحظة التي تتحول فيها الثورة من رسالة إلى امتياز، ومن تضحية إلى مكسب. عندها، لا تعود المعركة مع الخارج فقط، بل تبدأ الهزيمة من الداخل، حيث تُفرّغ القيم من معناها، ويضيع الاتجاه مهما علت الشعارات.
الخاتمة (موعظة):
إن التاريخ لا يرحم من يبدّد الأمانة، ولا يُنصف من يتخذ من قضايا الشعوب سلّماً لمصالحه. فالثورات التي لا تُبنى على الصدق، ولا تُصان بالنزاهة، سرعان ما تنحرف عن مسارها، وتترك خلفها شعوباً مثقلة بالخذلان.
فليتذكر كل من تصدّر مسؤولية الناس: أن البساطة ليست ضعفاً، وأن النزاهة ليست خياراً، وأن من خان ضميره—مهما طال به الزمن—لن يستطيع أن يصنع وطناً.



