بين الحرف والروح… عندما تُعشَق اللغة وليد حسين الخطيب يستخرج المعاني من ماء الكلام

كتبت د. منيرة المسباح/ الكويت
“المدارنت”
ثمّة علاقة خفيّة تربط الإنسان بلغته، لا تقوم على الاستعمال وحده، بل على شيءٍ أعمق… شيءٍ يشبه الحنين.
في ماء الكلام: رحلة ثقافية، لا تبدو اللغة موضوعًا للدرس، بقدر ما تبدو موضوعًا للحبّ. فالكلمات هنا ليست أدواتٍ نستخدمها ثم نتركها، بل كائناتٌ نأنس بها، نعود إليها كما نعود إلى بيتٍ قديم، فيه من ذاكرتنا أكثر ممّا فيه من الجدران.
أن تحبّ اللغة، يعني أن تُصغي إليها. أن تمنح الكلمة وقتها كي تقول نفسها، لا أن تنتزع منها المعنى انتزاعًا. يعني أن تتأمّل لفظًا بسيطًا، فتكتشف أنّه يحمل من الدلالات ما لا تحمله صفحات. وأن تشعر، وأنت تتنقّل بين الجذور، كأنك تتنقّل بين وجوهٍ تعرفها منذ زمن، لكنك لم تنتبه يومًا إلى ملامحها.
هذا ما يفعله هذا كتاب ماء الكلام الصادر عن دار الانتشار العربي في 152 صفحة، بهدوء. فهو يعيدنا إلى الكلمات التي نظنّ أننا نعرفها، لنكتشف أننا لم نقترب منها حقًا. يضعنا أمام اللغة لا بوصفها نظامًا، بل بوصفها تجربة. تجربة فيها من الدفء ما يجعلها قريبة، وفيها من العمق ما يجعلها عصيّة على الاكتمال.
ولعلّ أجمل ما في هذه التجربة أنّها لا تفصل بين العقل والقلب. فالفهم هنا لا يأتي وحده، بل يصاحبه شعورٌ غامض بالألفة، كأنّ المعنى الذي نكتشفه ليس جديدًا تمامًا، بل مستعاد. كأنّ اللغة كانت تنتظرنا، لا لنفهمها وحسب، بل لنتذكّرها.
في زمنٍ تزداد المسافة بيننا وبين الكلمات، حيث تُستهلك اللغة بسرعة، وتُختصر إلى إشاراتٍ عابرة، يأتي ماء الكلام: رحلة ثقافية الذي قدّم له الأديب الفرنكوفوني عيسى مخلوف، ليبطئ الإيقاع. ليقول لنا أنّ للكلمة زمنها، كما للماء مجراه. وأنّ المعنى، مثل الينبوع، لا يظهر لمن يمرّ مسرعًا، بل لمن يتوقّف، وينحني، ويصغي.
أن نحبّ اللغة، ليس ترفًا، بل هو شكلٌ من أشكال الوفاء، لأنّ اللغة التي حملتنا في أول نطقنا، واحتوت دهشتنا الأولى، تستحقّ أن نعود إليها، لا بوصفها واجبًا، بل بوصفها حاجة. وهذا ما ينجح فيه الخطيب في ماء الكلام في جعلنا لا نقرأ اللغة وحسب… بل نشتاق إليها أيضًا.



