مقالات

خفايا “فتح الإسلام”.. تفكيك “فتح الانتفاضة” (2-2)

دخان فوق مخيم نهر البارد بعد الإشتباكات بين الجيش و”فتح الإسلام” في 25 آب 2007

“المدارنت”
بعد أن نشرنا في الحلقة الأولى السياق اإقليمي لنشوء “فتح الإسلام”، ورسالة أبو خالد العملة إلى آصف شوكت، نسلط الضوء في الحلقة الثانية والأخيرة على التفكيك التنظيمي لحركة “فتح الانتفاضة”، في إطار تصفية الملف وإخفاء معالمه، أو تحويرها.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2006، سيطرت مجموعة مسلحة على مكاتب حركة “فتح الانتفاضة” في مخيم البداوي شمال لبنان. ولم تكن تلك المجموعة جسماً منفصلاً تماماً عن البيئة التنظيمية التي خرجت منها، إذ تشير شهادات ووثائق متعددة، إلى أنها نشأت في سياق علاقة معقدة ربطت المجموعة بالمخابرات العسكرية السورية. وبعد أشهر قليلة انتقلت المجموعة إلى مخيم نهر البارد، وأعلنت نفسها تحت اسم “فتح الإسلام”، لتخوض في صيف عام 2007 واحدة من أعنف المعارك التي شهدها لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية.

نحاول هنا إعادة تركيب المسار الذي سبق تلك النهاية، بالاستناد إلى الوثائق التنظيمية الداخلية الصادرة عن “فتح الانتفاضة” بين عامي 2006 و2009، ثم شهادة مباشرة لإبراهيم عجوة (أبو يافا)، أمين سر إقليم الأردن السابق وعضو المجلس الثوري للحركة، الذي يؤكد أنه استشير من قبل قيادة الحركة، حول طرح آصف شوكت بتشغيل “معسكر حلوة” على قيادة الحركة من قبل آصف، أثناء قيام أبو موسى وأبو خالد العملة، بتعزيته بوفاة والدته. وتضمن الطرح أنه سيتم تزويد المعسكر بعناصر من “جيش التحرير”. وحينها حذر إبراهيم عجوة القيادة من هكذا خطوة لغياب الرقابة الحركية على تلك العناصر.

من العراق إلى “حلوة”
تتقاطع المعلومات حول نشأة “فتح الإسلام” عند نقطة أساسية، مفادها أن النواة الأولى للتنظيم لم تكن محلية بالكامل، وإنما ضمت مقاتلين عادوا من العراق بعد مشاركتهم في القتال هناك، قبل أن يخضعوا لإعادة تنظيم أو تدريب داخل سوريا ثم ينتقلوا إلى لبنان.

وكما ذكر في الحلقة الأولى فإنّ الشهادات الموثقة تفيد بأن أفراد هذه المجموعة نفذوا عمليات في العراق، ثم أعيد إعدادهم داخل سورياـ تحديدا في “معسكر حلوة” التابع لـ”فتح الانتفاضة” قرب الحدود اللبنانية-السورية، قبل انتقالهم إلى مخيم نهر البارد؛ ذلك كله في ضوء سعي النظام السوري السابق إلى إعادة خلط الأوراق بعد خروج قواته من لبنان، والضغط على السلطة القائمة في بيروت، من خلال إبقاء ورقة أمنية متشددة داخل لبنان، تتيح له لاحقاً تقديم نفسه بوصفه الطرف الأكثر قدرة على ضبطها.

في هذا السياق، يبرز اسم أبو خالد العملة، نائب أمين سرّ “فتح الانتفاضة”، الذي اعتقلته السلطات السورية في نوفمبر/تشرين الثاني 2006 بتهمة تقديم تسهيلات لشاكر العبسي، مسؤول تنظيم “فتح الإسلام” وجماعته. وتشير إحدى الشهادات إلى أن آصف شوكت، رئيس المخابرات العسكرية السورية آنذاك، أَمَر باعتقال العملة. وبعد الإفراج عنه ووضعه قيد الإقامة المنزلية بسبب وضعه الصحي، وجد نفسه مفصولاً من الحركة، مع توجيه اتهامات إليه بالفساد المالي وتكوين ثروة عقارية داخل سوريا وخارجها، قبل أن يعيش سنواته الأخيرة بعيداً عن أي دور تنظيمي حتى وفاته عام 2012. وقد نشرنا في الحلقة السابقة نص رسالة العملة إلى شوكت.

ولا تكمن أهمية هذه الواقعة في شخص العملة وحده، بل في النمط الذي تكشفه؛ إذ تبدو التهم المالية، في أكثر من حالة، أداة جاهزة لإخراج شخصيات أصبحت عبئاً سياسياً أو تنظيمياً، بصرف النظر عن مدى صحة تلك الاتهامات أو بطلانها.

ورغم ذلك، فإن الروايات الصحافية الواردة عن هذه القضية لا تحسم بصورة قاطعة ما إذا كانت القضية جزءاً من مشروع مخطط له مسبقاً، أم إنها كانت نتيجة اختراق خرج عن السيطرة ثم جرى احتواؤه لاحقاً. وهنا تكتسب شهادة إبراهيم عجوة أهميتها، ليس بوصفها بديلاً عن المصادر المفتوحة، وإنما باعتبارها قطعة إضافية في تركيب المشهد.

“معسكر حلوة” قبل “نهر البارد”
بحسب شهادة إبراهيم عجوة، فهو استُدعي إلى دمشق للمشاركة في مشاورات تتعلق بعرض قدمه آصف شوكت إلى قيادة “فتح الانتفاضة”، يقضي بإعادة تشغيل “معسكر حلوة” الواقع على الحدود السورية-اللبنانية، ليكون نقطة إنذار مبكر بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005.

ويضيف أن قيادة الحركة اعتذرت عن تنفيذ المهمة بسبب محدودية إمكاناتها، فعرض آصف شوكت تزويد المعسكر بكوادر من “جيش التحرير الفلسطيني”. وعندها اعترض عجوة، على طبيعة العناصر التي يمكن أن تُرسل من قبل آصف شوكت لإدارة المعسكر، معبراً عن عدم ثقته بمن قد يقع عليهم الاختيار. ويؤكد إن اعتراضه أعقبه منعه من دخول سوريا.

هذه الشهادة تجعل من “معسكر حلوة”، الحلقة الأولى في مسار سبق ظهور “فتح الإسلام”، إذ تكشف عن محاولة لإدخال عناصر من خارج البنية التنظيمية التقليدية لـ”فتح الانتفاضة” إلى موقع “حساس” تابع لها، وعن اعتراض داخلي على هذه الخطوة، أعقبه إبعاد أحد أبرز المعترضين.

المصدر: إيلي القصيفي/ مجلة “المجلة”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى