مافيات الأدوية في إيران والانهيار الصحي!

خاص “المدارنت”
كيف يتحكم “بيت خامنئي” في قطاع الدواء؟
تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني عن أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة تعصف بالمجتمع الإيراني، حيث بلغ معدل التضخم الرسمي في شهر مرداد (يوليو/أغسطس) نحو 89 بالمائة، بينما قفز تضخم المواد الغذائية والمشروبات إلى 127 بالمائة، متجاوزاً 150 بالمائة في بعض المحافظات.
وفي قلب هذه المأساة، تتكشف أبعاد كارثية لأزمة نقص الأدوية وارتفاع أسعارها الفلكية. وفي هذا السياق، أوضح هادي أحمدي، المتحدث باسم جمعية الصيادلة في إيران، أن متوسط زيادة أسعار الأدوية بلغ نحو 80 بالمائة منذ بداية العام، ليصل في بعض الأصناف الحيوية إلى 300 بالمائة، مما يعكس تضخماً سنوياً فعلياً يتراوح بين 200 بالمائة و700 بالمائة.
تعود جذور هذه الأزمة الهيكلية إلى عقود من الاحتكار الممنهج لعمليتي الإنتاج والتوزيع من قبل بيت خامنئي، رغم تأكيد الدكتور حجة الله يزدان شناس، الرئيس السابق لجمعية الصيادلة، أن 97 بالمائة من احتياجات البلاد الدوائية تُنتج محلياً. وتتركز مقدرات هذا القطاع الحيوي في مؤسستين عملاقتين: مجموعة بركات الدوائية التي تأسست عام 2010 وتضم أكثر من 15 شركة فرعية مثل البرز للأدوية، وشركة تأمين للاستثمار الدوائي (تيبكو) التابعة لشركة شستا والتي تسيطر على 26 شركة دوائية كبرى، أبرزها دارو پخش التي توظف آلاف العمال.
وثقت تقارير صحفية سابقة، مثل ما نشرته صحيفة شرق عام 2022، حجماً مرعباً من النهب الممنهج، حيث يُباع دواء تكلفة إنتاجه المحلي 500 ألف تومان للمستهلك بسعر 25 مليون تومان، أي بـ 50 ضعفاً، بينما أكد بير صالحي، رئيس منظمة الغذاء والدواء، قفزة أسعار الحقن الطبية من أضعاف زهيدة إلى مستويات قياسية.
جغرافيا التهميش.. فاجعة “سيستان وبلوشستان” نموذجاً لانهيار الرعاية
تتجلى التداعيات الدموية لهذا الانهيار البنيوي في المناطق المهمشة، وتحديداً في محافظة سيستان وبلوشستان، حيث جسدت وفاة الطفلة مليكا همت زاده (13 عاماً) إثر لدغة عقرب قمة العجز الصحي وسلسلة الإهمال القاتل. فقد اصطدمت أسرتها بإغلاق المركز الصحي القروي لغياب الطبيب وانعدام سيارات الإسعاف، فضلاً عن عجز مستشفيات نيكشهر وتشابهار عن توفير الصفائح الدموية وأسرّة العناية المركزة.

وتُظهر البيانات الميدانية تسجيل 2771 حالة لدغ عقارب و5 وفيات منذ مارس 2026 دون تدخل إسعافي عاجل، وسط عجز بنيوي يتجاوز 1600 سرير طبي ومعدل لا يتجاوز 6. 5 طبيب لكل 10 آلاف نسمة في جنوب المحافظة، فضلاً عن أن 3500 مريض يعانون بالثلاسيميا يواجهون الموت البطيء نتيجة شح وحدات الدم وعجزهم عن تأمين ثمن عقار ديسفيرال البالغ 80 مليون ريال للعبوة الواحدة.
نهب مقدرات الصحة لصالح مافيات السلطة وحرس النظام
تؤكد التقارير الميدانية المستقلة وشبكات الرصد الحقوقية أن تفريغ المنظومة الصحية من محتواها الإنساني ليس مجرد قصور إداري، بل هو نتيجة حتمية لسياسات تعتمدها السلطة في توجيه الموارد الوطنية نحو تمويل آلة القمع ومغامرات حرس النظام الإيراني.
وفي الوقت الذي تُبتلع فيه الميزانيات المخصصة للبنى التحتية والمشافي في شبكات الفساد المالي والإداري، يُترك مئات الآلاف من المواطنين، سيما فاقدي الأوراق الثبوتية والهوية الوطنية، محرومين من التأمين الصحي والعلاج المجاني. إن هذا التمييز الممنهج في توزيع الثروات والخدمات داخل بلد يمتلك أضخم احتياطات الطاقة يؤكد أن البنية الحاكمة تتعامل مع حقوق المواطنين باعتبارها هامشية، مما يجعل تفكيك شبكات الاحتكار ووقف استنزاف مقدرات الشعب شرطين أساسيين لاستعادة الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.

دور المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية في حماية الفئات الهشة
أما على المستوى الدولي، فتتجلى فاعلية الضغط في مسارين رئيسيين: الأول هو توثيق الانتهاكات الجسيمة للحق في الصحة كجرائم ضد الإنسانية عبر آليات الأمم المتحدة والمقررين الخاصين المعنيين بحالة حقوق الإنسان في إيران.
والثاني يتمثل في فرض عقوبات ذكية ومستهدفة على الكيانات الاقتصادية وشبكات الواجهة التابعة لبيت خامنئي التي تحتكر استيراد وتصنيع المواد الخام الدوائية، مع الحرص في المقابل على تصميم آليات إنسانية دقيقة تضمن تدفق الأدوية المنقذة للحياة والمستلزمات الطبية عبر قنوات أممية أو منظمات غير حكومية مستقلة تماماً، لمنع النظام من استغلال المساعدات أو تحويلها لتمويل أجهزة سيطرته وقمعة.
يعكس هذا الواقع التلاحم العضوي بين الأزمة الاقتصادية واحتكار مراكز النفوذ للقطاعات الحيوية، مما يضع مستقبل الأمن الصحي والاجتماعي في إيران أمام منزلقات خطيرة تتطلب معالجات جذرية على مستوى البنية السياسية والاقتصادية للبلاد.



