اعترافات إيرانية رسمية تكشف عقيدة الأمن الإقليمي والعمق الاستراتيجي

خاص “المدارنت”
سقوط أوراق التوت: اعترافات إيرانية رسمية
تكشف عقيدة الأمن الإقليمي والعمق الاستراتيجي
هندسة النفوذ الإقليمي من شعارات
حماية المقدسات إلى حراسة النظام
لطالما سعت الخطابات الرسمية في طهران إلى إلباس تدخلاتها العسكرية الإقليمية، لبوساً دينياً وعقائدياً، مروّجة لأنشطة الأذرع المسلحة في المنطقة تحت عنوان “الدفاع عن العتبات المقدسة”. غير أن الاعترافات الأخيرة التي أدلى بها إيرج مسجدي، نائب منسق قوة القدس التابعة لـ”قوات الحرس” والسفير الإيراني الأسبق في العراق، مثلت تحولاً نوعياً في الخطاب الرسمي. فقد أماط مسجدي اللثام عن البوصلة الحقيقية لتلك العمليات، مؤكداً بوضوح أن “الحرم الحقيقي هو الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.
هذا الإقرار البنيوي يعيد تعريف طبيعة الوظيفة الاستراتيجية للفصائل المتحالفة مع طهران في كل من العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن. فالتحليل الموضوعي لمعطيات المشهد يظهر أن الانخراط العسكري العابر للحدود لم يكن مجرد تضامن عقائدي، بل صيغة دفاعية استباقية غايتها نقل ساحات الاشتباك إلى خارج الأراضي الإيرانية. ومن خلال تبني استراتيجية “العمق الاستراتيجي”، سعت القيادة العسكرية في طهران إلى استنزاف الخصوم في العواصم العربية والإسلامية، حمايةً لبقاء النظام السياسي وتثبيتاً لأركان سلطته.

اختراق المؤسسات وتطويع الجغرافيا السياسية
تكتسب تصريحات المسؤول الإيراني الرفيع خطورتها الاستثنائية من توقيتها ودلالاتها المباشرة على سيادة الدول المضيفة، وتحديداً في العراق. فالتطرق العلني إلى دور آلاف المقاتلين العراقيين ضمن تشكيلات لواء وفيلق بدر منذ فترة الحرب الإيرانية العراقية، مروراً بالعمليات اللاحقة، يعكس تغلغلاً هيكلياً في البنية الأمنية والسياسية للدول العربية المجاورة. إن هذه الشواهد الميدانية والتقارير الصادرة عن مراكز الرصد الدولية تؤكد أن دمج الفصائل المسلحة داخل هياكل الدولة الرسمية قد أدى إلى تآكل مفهوم السيادة الوطنية، وجعل القرار الأمني رهيناً لحسابات إقليمية تتجاوز المصالح الوطنية لتلك البلدان.
وعلى الصعيد المؤسسي، فإن وصول شخصيات ذات ارتباطات تاريخية وتنظيمية بتلك التشكيلات إلى مراكز صنع القرار في بغداد يبرز بوضوح كيف تحولت الميليشيات إلى أدوات ضغط سياسي واقتصادي. هذا الواقع يضع الحكومات الوطنية أمام تحديات بنيوية بالغة التعقيد، تتمثل في محاولات حصر السلاح بيد الدولة وتحييد التأثيرات الخارجية العابرة للحدود، في ظل شبكة معقدة من الولاءات العابرة للقوميات.
عقيدة العمق الاستراتيجي
كلفة الاحتواء وتداعيات المواجهة
تُظهر قراءة السياسات الإيرانية الإقليمية، على ضوء شهادة القيادات الميدانية، اعتماداً مُفرطاً على استراتيجية الردع الاستباقي. فقد اعتبر مسجدي أن قادة بحجم قاسم سليماني ومن معه كانوا يقاتلون في الموصل، ودمشق، ومناطق أخرى لمنع انتقال الفوضى إلى الداخل الإيراني. هذا التكتيك يعتمد على إيجاد مناطق حفر واشتباك بعيدة عن العمق الجغرافي للبلاد، مما يفرض أثماناً باهظة على البنى التحتية والاستقرار السياسي والاجتماعي للدول التي تحولت إلى مسارح لهذه الصراعات.
في المقابل، أسفرت هذه السياسات عن أزمات اقتصادية خانقة داخل إيران نفسها، نتيجة استنزاف الموارد المالية واللوجستية لدعم الجبهات الخارجية في ظل عقوبات دولية قاسية. إن المعادلة التي ترسخت تشير إلى أن محاولة حماية النظام عبر تصدير الأزمات إلى الخارج قد أنتجت حلقة مفرغة من عدم الاستقرار الإقليمي، حيث تتحمل الشعوب العربية فاتورة هذا الصراع الجيوسياسي المفتوح على الاحتمالات كافة.

آفاق المستقبل بين تآكل الردع وتحولات الإقليم
تضع الاعترافات الرسمية الأخيرة المحللين والمراقبين أمام مشهد جيوسياسي بالغ الهشاشة. فمع انكشاف الغطاء العقائدي والاعتراف بأن الميليشيات الإقليمية هي خط الدفاع الأول عن بقاء النظام الإيراني، تفقد السياسات الإقليمية لطهران الكثير من رصيدها التعبوي أمام الرأي العام. إن تراجع القدرة على تسويق التدخلات تحت الشعارات الدينية البراقة يفرض على القوى الإقليمية والدولية إعادة تقييم مقارباتها للتعامل مع النفوذ الإيراني.
وفي الختام، يبدو أن المنطقة مقترنة بمسارات بالغة التعقيد؛ فإما الذهاب نحو تسويات سياسية كبرى تعيد الاعتبار لمفاهيم السيادة الوطنية وحصر السلاح بيد الدول، أو الاستمرار في دوامة الصراعات بالوكالة التي تُبقي الشرق الأوسط رهينة لاستراتيجيات الدفاع الذاتي الإيرانية على حساب أمن واستقرار الشعوب العربية.



