سبل استرجاع الشخصية الإنسانية..

خاص “المدارنت”
ينطلق الاندماج الفردي الذاتي داخل المجتمع، الذي يمثل مبدئيا افرادًا آخرين، من نقطة أساسية، وهي أن الإنسان مخلوق اجتماعي، أي ضرورة عيش الناس في إطار اجتماعي جماعي، يتبادلون فيما بينهم، العلاقات وفق سُنن كونية تحملهم إلى الانتظام والانضباط ضمن إطار القوننة الالهية، والتي هي في غاية الدقة والإتقان والابداع، بحيث تعمل على تأمين السلامة العامة وتحقيق المصلحة العامة ايضا، كما تقتضيها الارادة الإلهية.
وعلى هذه القاعدة الايمانية الثابتة، نستنتج أن الكائن الانساني الفرد لا يستطيع العيش إلا بفضل كائن اخر، عبر سلسلة من الاعتماد المتبادل في تلبية الاحتياجات فيما بينهم. فالجميع يعتمد ويتغذّى على الجميع، تطبيقا لمقولة شعبية: “رزق انسان على انسان، ورزق الجميع على الله”.
وعلى هذه الأسس تسير الحياة وتستمر بصورتها الواقعية التي نلمسها ونحياها. بحيث تتشكل شبكة لا متناهية من العلاقات المنظمة والخاضعة لقوانين دقيقة لا تشوبها شائبة، ولا تترك مجالا لأي خلل أو فوضى، بل تنظمها وتحكمها تراتبية قانونية دقيقة، تبدأ بأصغر الكائنات وصولا إلى ارقاها واعلاها، وهو الإنسان. هذا المخلوق الذي يتوهم أنه خارج هذه المنظومة، بسبب ما اُعطِي من إرادة تفكير وادراك وعي، من دون أن يعلم (لجهل ونقص) أن الواقع يكشف لنا أن الإنسان؛ لم ولن يستطيع الخروج عن تلك القوانين الطبيعية، قوانين الاعتماد على الآخر، والذي بدوره يبادله ذلك الاعتماد، ومن جراء الغرائز المتحكمة بذاتية الجهلة من الناس، تتحول القوانين الإنسانية إلى ما يسمى قوانين السيطرة والافتراس، وتصبح قوانين الكبير فيها يبلع الصغير، والقوي يفترس الضعيف، قانون الغاب والغراءز، قانون يمثل مقولة:
الصراع من أجل البقاء. ونراه (قانون الغاب والغراءز)، يتميز في المجتمع الإنساني إلى قانون تحقيق المصالح الشخصية الخاصة، والتي تتجسد باوجه متعددة من الأساليب والغايات، فاتخذت انماطا ملونة بالافتراس والانقضاض، خارج القوننة الالهية. وهذا يعني بداية تعري الإنسان من إنسانيته.
هذه المفاهيم، إنما تأخذك لتؤكد أن مفهوم افتراس الأقوى للاضعف، وتحقيقه عبر طرق وأساليب متنوعة الانقضاض والافتراس، بحيث يتجلى ذلك وحقيقة واقعية، وتظهر بوضوح تام داخل المنظومة الاجتماعية المؤسساتية، بدء بالعلاقات الضيقة والأقرب، كالاسرة الواحدة، والعائلة والقبيلة، بحيث تتكشف لنا أن روابط الدم لم تعد، وعلى الدوام، حصنًا آمنًا لافرادها، بل تحولت إلى شبكة من علاقات افتراسية مزيفة، أو علاقات انقضاضية مقنعه، بالأخص عندما تسنح الفرص بذلك، إذ يستغل البعض علاقة القرابة ليحقق مصالحه الشخصية، فيُحوٍل المأوى إلى فخ، والسند إلى خصم.
ان مثل هذه العلاقات والروابط الاستغلالية، إنما تعود بالأصل إلى جوهر تفكك البنية الداخلية للفرد والتي دفعته للتخلي عن انسانيته، في هذا الموضع، مما يُظهر الصدمة الكبرى لدى الآخرين من أبناء جلدته، مما ثبت من تصرفات شاذة وانحرافات مرفوضة لدى العموم، وهذا الأمر يسبب، بلا شك، خللا اجتماعيا تنهار معه أسوار التصور الفطري والحصين التي تحصن بها الأفراد والجماعات، أي تزعزعت حصون العلاقات الإنسانية السوية لدى البشرية.
ورغم ذلك، فالخلل يدفع، ورغم قسوته والمه، وبلحظة تفكر وتدبر، إلى فتح نوافذ المدارك السوية لإعادة ترتيب علاقاته الذاتية وتنظيمها داخليا، أي يعمل الفرد إلى إخضاع عقله وقلبه إلى عملية تصفية وتنقية من كل رواسب الخلل الاجتماعي والأخلاقي. وعليه كفرد، الاتجاه وبكل ثبات لإعادة بناء نماذج فكرية ادراكية سوّية جديدة، أكثر موضوعية وأكثر صلابة.
فالأمر يذهب بك، وعن طريق الاجبار، نحو ضرورة الانتقال من وعي يعتمد على الاخرين، إلى وعي ذاتي متحرر، أكثر تماسكا وانسجاما مع الذات، أي أكثر استقلالية، وأصدق تعاملا، مع التأكيد وشرط النجاح في ذلك الاختبار الاستقلالي، وإلا يبقى أسيرا لجراحة، وايضا يبقى يدور حول محور إعادة إنتاج الامه السابقة، بصور متكررة وغير قادرة على التفلت من دائرة الانقضاضية الاستغلالية، جاعلا من ذاته جزء من تلك الدائرة نفسها. اي اجترار ذاتي.
وبالعودة إلى الفكرة الأساسية، حيث أن الإنسان خلية اجتماعية، فإن كل ما يحدث على مستوى الفرد، فإنه بلا شك، لا ينفصل قط عن فكرة ما يسمى: “بنية اجتماعية”، فالجروح والآلام الفردية، تتسع وتتحول بطريقة سلسة إلى توترات جمعية اجتماعية، وبهذا يتوالى الخلل وتتسع دائرته وتتشابك عناصره، فتتجاوز إلى دوائر البنى الاجتماعية التقليدية (كالعائلة والقبيلة والطائفة.. الخ) كما وأنها تتشابك متداخلة أكثر وأكثر حتى تلحق بالبنى والمؤسسات الحديثة الأكبر والاعظم، (كالدولة وما يتفرع عنها من دوائر ومؤسسات)، سواء مدنية كانت أو دينية، وهذه المؤسسات هي المقصد والغاية في عملية الافتراس والانقضاض التي تتضاعف لديها، بل مستواها العملي الغريزي يتعرى من كل ما يسمى إنسانية،
كما ويظهر مستواه ممعنا من دون هوادة في التدمير الشامل، بدءًا من الأسرة إلى أركان الدولة عامة. إذ أن المصلحة الفردية تختبيء خلف ستار وقناع ما يسمى المصلحة العامة، المغلفة بخطاب القيم الأخلاقية وفضائل الدين، لكنها في العمق امتداد للمنفعة الكونية الفردية، انطلاقا من أن الجميع يتغذى على الجميع، وهذا يمثل القانون البشري الغريزي الانقضاضي، قانون نزع الإنسانية من ذاتية الإنسان وفرديته، لأن الواقع الفطري السليم إنما يدور حول محور القوننة الكونية الإلهية، والمتمثل في تطبيق وأخذ أرقى أنماط التأثير الإنساني، القائم على الاتزان والتوازن الداخلي للفرد، إلى جانب استقرار كل ما يحمله احاسيس ومشاعر ووجدان.
هذا التوازن والاتزان، يعكس قدرة الفرد على مواجهة الواقع، وبكل ما يحمله من تحديات، بوعي منضبط ووجدان منفتح، كما وأنها تجسيد لفكرة، خلق قوة، تحدث أثرها عبر التناغم العلائقي والانسجام الفكري، لذلك الفرد، من دون الخروج عن محور وجوهر القوننة الكونية الالهية، مع التأكيد أن تلك القوة الذاتية، إنما تستمد فاعليتها من رقي إدراكه وصفاء وعيه، واتساقه ايضا، مع كل ما يدور في فلكه.
وهذا يعني وبايجاز، أن تتمثل القوة في سيطرتها على الذات، وتحويل السكون إلى حركة وفعل، فيعطي انطباعا وشكلا من أشكال الحكمة العملية لذلك الفرد، وهذه الدرجة أو المرتبة من التعقل والإدراك لديه، تعتبر قمة سبل بناء الشخصية الإنسانية واكتمال تكوينها. وهذا يطلق عليه، أن يتصالح الفرد مع نفسه، أي مع دوافعه العميقة، فيدرك متبصرا ظلال نفسه، ومن ثم يتحول إلى طاقة حضارية حضورية متماسكة، تاركا خلفه وعلى من حوله بصماته الإيجابية وأثره الإصلاحي من غير هيمنة ولا قهر ولا استغلال.
تنشأ القيادة والمسؤولية الإنسانية الفعالة من المدارك الواعية لكلية الإنسان الفرد، وإلى ما يتفرد به من خصوصية بعض القوى العقلية والروحية والوجدانية، والتي بدورها تهذب المشاعر الغرائزية، وتنظمها وتزينها بانصياعها للقوننة الكونية الالهية، مما يخلق بيئة نفسية عالية الثقة والأمان، والتي منها يولد ويعزز علاءق التفاهم والتعاون والتضامن و.. بين أفراد المجتمع، مما يدفع نحو التطور والتقدم العلمي الحضاري. من هنا نستنتج قاعدة ثابتة في أن الانسجام الذاتي للفرد، هو انعكاس الأثر الإيجابي على البيئة المحيطة، اتساقا وتفاهما وهدوء، فالهدوء الواعي والفاعل، إنما يعبر عن نضج داخلي يوازن بين الفكر والتجربة، وهذا التوازن يحول الوعي إلى طاقة منتظمة ناظمة، توجه الفعل الجماعي لانتاجية تتميز بالصفاء والشفافية والاتزان. وهكذا يصبح الإنسان قادرا لامتلاك طاقة التأثير الفعال الايجابي، كما ويصبح مصدر استقرار والهام لمن حوله من الناس. ونلحظ إلى أن هذا التوازن الداخلي او الذاتي، إنما يجسد الفعل الإنساني بشكله الحضاري والراقي وسط ضجيج العالم وفوضويته.
وعليه، فالانطلاق الواعي للانسان الفرد، بالطريقة التي عرضتها، في زمن تتشابك فيه الآراء، وتتداخل فيه المواقف، وتتخاصم فيه الأفكار والمشاعر، على مسرح هذه الحياة، لم يعد مجرد قدرة على حفظ المدارك الواعية والتحليل من أجل تحقيقها، بل أصبح فنًا راقيًا، يلتمس العبور برفق إلى قلوب الآخرين. وبهذا يظهر الفرق العميق بين المدارك العاطفية الذاتية، وبين المدارك العاطفية الاجتماعية، أي الفرق بين قوى الوعي التي تحسن فهم الذات، وبين قوى الوعي التي تحسن فهم المجتمع، وكل ما يدور حوله، ومنها نخطو نحو الإنسانية.
وللبيان، فالمقصد بالمدارك العاطفية الذاتية هو معرفة حقيقة الذات، ومعرفة سبل إدارتها والتحكم فيها بطريقة وازنة متوازنة، يعني امتلاك مهارة زمام الأمر، أي مهارة متى نتحدث؟ متى نصمت؟ متى نبكي؟ ومتى نبتسم رغم الألم؟ متى..؟ وهذا يوصلنا إلى مرتبة امتلاك مهارة الصدق الداخلي الذي يُكسبنا ويُعلمنا أن الكلمة، قد تشفي، كونها طيبة، وقد تجرح لأنها في غير مكانها، وايضا، فذلك الصدق يُمسكنا الا ننفجر بلحظة غضب، ويمسكنا الا ننهار بلحظة خذلان، وفي هذه الحالة يصمد الإنسان بوجه العاصفة، بما يملك من نضج فكري وشفافية أحاسيس ومشاعر.
اما من جهة المدارك العاطفية الاجتماعية، ونقصد بها الحضور الذاتي والتأثير التفاعلي الايجابي مع الآخرين. أي قدرة الفهم والتواصل مع الخارج، من خلال قراءة المواقف وفهم الإشارات، الخفية منها والظاهرة، جراء ما يصدر من الخارج، من نظرات أو كلمات أو حركات. ومن خلال فهمنا لذلك، يُفرض علينا أن نحسن اختيار ردنا والا نتجاوز حدودنا، كِبْرا أو تزلفًا، بحيث نمنح الآخرين طاقة راحة وأمان لا طاقة توتر وتباه. فالتواصل هو التعبير عن الرأي لا أن نفرضه، وهذا يعني ضرورة استخدام لغة الوعي الجمعي التي تمارسها العقول الناضجة الراقية.
أخيرا، لا بد من بيان أن تكامل نضج المدارك الذاتية، مع نضج المدارك الاجتماعية، إنما تخلق انسانا مميزا في نضج حقيقي من حيث أن النضج الذاتي يمنح الفرد (الانسان) سلامة وأمانًا داخليًا، أما النضج الاجتماعي فيمنحه (الانسان) أمان العبور لجسور التواصل مع العالم المحيط. فالعامل الأول ينقذك من نفسك ومؤمنا الحماية لها، والعامل الثاني ينقذك من الناس الآخرين.
ومما لا شك فيه، فإنهما (النضج الذاتي والاجتماعي) حين يلتقيان ويلتحمان ويتجسدان في شخص الفرد الانسان، فإنهما يولدان شخصية قائد، شخصية عدل، شخصية انسان، ذلك الذي يترك في الآخرين أثرًا، لا يُمحى ولا يُنسى.
في النهاية، ليست القيادة الإنسانية الفعالة، في أن تمتلك عقلا لامعا وعبقرية مميزة، إنما أن تملك قلبا حكيما، انطلاقا من تفهمك لنفسك تحاكمها قبل أن تحاكم الاخرين، وأيضا، تزرع فيها التسامح وحسن الظن مكان انواع السوء. فالقيادة الإنسانية الفعالة، لا تُقاس بدرجات “أكاديمية”، إنما بقدرة ما تملكه من قوة تجعلك إنسانا، مميز بانسانيته في عالم يزداد قسوة ووجعا وجوعا كل يوم.
القيادة الإنسانية الفعالة إنما هي سلوك مكتسب، قاعدته الأساسية تتمثل بالوعي الذاتي والتنظيم الهادئ والامتثال لقوانين الكون الإلهية. ونستذكر قول عالم النفس الأميركي “دانيال غولمان”: “حين يجتمع العقل والقلب في انسان واحد، يصبح الحضور رسالة، والكلمة دواء”.
ينطلق الاندماج الفردي الذاتي داخل المجتمع، الذي يمثل مبدئيا أفرادًا آخرين، من نقطة أساسية، وهي أن الإنسان مخلوق اجتماعي، أي ضرورة عيش الناس في إطار اجتماعي جماعي، يتبادلون ،فيما بينهم، العلاقات وفق سنن كونية تحملهم إلى الانتظام والانضباط ضمن إطار القوننة الالهية، والتي هي في غاية الدقة والإتقان والابداع، بحيث تعمل على تأمين السلامة العامة وتحقيق المصلحة العامة ايضا، كما تقتضيها الارادة الإلهية.
وعلى هذه القاعدة الايمانية الثابتة، نستنتج أن الكائن الانساني الفرد لا يستطيع العيش إلا بفضل كائن آخر، عبر سلسلة من الاعتماد المتبادل في تلبية الاحتياجات فيما بينهم. فالجميع يعتمد ويتغذى على الجميع، تطبيقا لمقولة شعبية (رزق إنسان على إنسان، ورزق الجميع على الله) وعلى هذه الأسس تسير الحياة وتستمر بصورتها الواقعية التي نلمسها ونحياها. بحيث تتشكل شبكة لامتناهية من العلاقات المنظمة والخاضعة لقوانين دقيقة لا تشوبها شائبة، ولا تترك مجالا لأي خلل أو فوضى، بل تنظمها وتحكمها تراتبية قانونية دقيقة، تبدأ بأصغر الكائنات وصولا إلى ارقاها واعلاها، وهو الإنسان.
هذا المخلوق الذي يتوهم أنه خارج هذه المنظومة، بسبب ما اُعطِي من إرادة تفكير وادراك وعي، من دون أن يعلم (لجهل ونقص) أن الواقع يكشف لنا أن الإنسان لم ولن يستطيع الخروج عن تلك القوانين الطبيعية، قوانين الاعتماد على الآخر، والذي بدوره يبادله ذلك الاعتماد، ومن جراء الغرائز المتحكمة بذاتية الجهلة من الناس، تتحول القوانين الإنسانية إلى ما يسمى قوانين السيطرة والافتراس، وتصبح قوانين الكبير فيها يبلع الصغير، والقوي يفترس الضعيف، قانون الغاب والغرائز، قانون يمثل مقولة: الصراع من أجل البقاء. ونراه (قانون الغاب والغرائز) يتميز في المجتمع الإنساني إلى قانون تحقيق المصالح الشخصية الخاصة، والتي تتجسد باوجه متعددة من الأساليب والغايات، فاتخذت انماطا ملونة بالافتراس والانقضاض، خارج القوننة الالهية. وهذا يعني بداية تعرّي الإنسان من إنسانيته.



