مقالات

كنت طالبًا في العراق..!

كتب عمر سعيد/ لبنان

“المدارنت”
احتضنني أحد عشر عامًا، كان ذلك في زمن صدام حسين رحمه الله..

كان العراق وقتها يعلّم أبناء الفقراء على مستوى العالم.. كنّا فيه طلاب علم بالآلاف وربما بالملايين..
كان يومها جبلًا شاهقًا من جمال ومعارف وإبداع وحب..

كانت بغداد وعلى الرغم من الحرب، تغتسل بالماء والصابون مرّتين كل يوم..
وكان النارنجي (برتقالها) يتباهى على عصافيرها التي لم تكن تكفّ عن التغريد.
كنت أقطع المسافة من المسرح الوطني إلى راغبة خاتون سيرًا على أقدامي، بعد منتصف الليل، وأسير غافيًا في كثير من مراتها.

كنت إذا جعت، وقلت لمطعم هاراتي في الوزيرية: أنا لا أملك مالًا، لكنني جائع.
يقول: “خرا بأبو الفلوس آغاتي”..
ثمّ يناولني سندوش بيض وبطاطا..
كان سائق الحافلة يعرف أني طالب عربي، فيقول إذا ركبت ولم أدفع: ما يخالف، خطية طالب عربي..

لكم أتتني مائدة عبد الساتر سرًّا، ووضعت في جيبي دنانير، وقالت: ما يخالف بعدين ترجعها.. إلا أني غادرتُ وما أرجعتها لشدة فقري.
أما سؤدد القيسي، فقد كانت تحمل لي في حقيبتها كلّ صباح سندويتشًا..
يجرني حسين علي صالح من يدي بقوة، ويأخذ معنا فلاح ابراهيم، رحمه الله إلى بيته، أبيت هناك، في مدينة الثورة أو مدينة صدام، وإن أردتم مدينة الصدر، كانت مدينة الذين ما خذلوا من دخلها.

لكم أشعرني خالد أحمد مصطفى أنني أخوه، ناهيك عن كريم جمعة، وسلام ونداء قيطان، وعبلة وحميد، وكريم بربر، وفؤاد الشطّي، وفرميستك ودولير، وغيرهم كثر..
يستحيل أن يصدق أحد أنّي لم أكن بعثيًا، لكنّي حقيقة لم أنتسب لـ”حزب البعث (العربي الإشتراكي)، ولم تستهوني تجربته أيامها، لكني انتسبت لذلك العراق، ولأهله الطيّبين، ولشرطي أركبني سيارة الدولة في آخر الليل، وأقلّني إلى البيت.

أستيقظ من وقت لآخر على حلم ذاك العراق، أعتدل في فراشي باكيًا.. وأتذكّر دعوات كثير من أصدقائي هناك لزيارته، لكنني أخاف كثيرًا..
ليس لأنّه بلد بلا صدّام الذي كان يجعل الأمن حقًا حتّى للنمل فوق ترابه، بل لأنه عراق بلا ذاك العراق…

عراق لا شوربة عدس فيه، تشبه تلك التي عشت عليها عقدًا في بغداد..
عراق لا صامولي فيه كتلك التي خبأتها في حقيبتي، لآكلها إذا جعت..
عراق لا “دلّالة”* فيه على الرصيف، تمسكني بيدي، وتصرخ: “جاسوس”.
لأنها لم تسمع أحدًا يتحدّث بلهجتي من قبل.

كان العراق يومها لي أمًا، أطعمتني حتّى غادرت بيتها، وأبًا عاملني بحزم حتّى قدّرت تربيته.
أنا لا أرثيه.. ولا أشفق على عراق اليوم، أنا أشفق على ذاكرتي، التي تعجز عن إفراغها من كلّ جميل، حمّلني حنينه إلى اليوم.

* دلّالة: بائعة على الرصيف.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى