مقالات

كيف يعيد إعلان الشخصيات العربية صياغة معادلة الأمن الإقليمي وإيران؟

د. سامي خاطر/ فلسطين

خاص “المدارنت”

جغرافيا الأزمة المنسية.. حين يلتقي
الأمن القومي العربي بوعي التغيير الإيراني الداخلي
في مشهد سياسي إقليمي يغلي على وقع التحولات العميقة، يبرز التطور الأخير المتمثل في البيان المشترك لـ286  شخصية عربية من 11  دولة ليضع النقاط على الحروف في واحدة من أكثر معضلات الشرق الأوسط تعقيداً. إن صدور هذا الإعلان في 25  أغسطس 2026، وسط مخاض هيكلي وعسكري تشهده المنظومة الأمنية والعسكرية في طهران، لا يعبر عن مجرد إدانة تقليدية، بل يمثل قراءة استراتيجية ناضجة تجاوزت أوهام الحلول المؤقتة. فالشخصيات الموقعة، التي تضم وزراء سابقين وبرلمانيين حاليين وسابقين من دول ذات ثقل استراتيجي كالبحرين، ومصر، والأردن، والسعودية، أدركت بعمق أن الأزمات المتناسلة في المنطقة ليست سوى انعكاس لعقيدة النظام الإيراني القائمة على تصدير الأزمات لتعويض الإخفاقات البنيوية في الداخل.

قراءة موضوعية في استراتيجيات القمع وتصدير الفوضى
يُخطئ من يظن أن السلوك الإقليمي لطهران هو مجرد سياسة خارجية توسعية منفصلة عن واقعها الداخلي. تشير المعطيات التحليلية إلى أن القمع المنهجي للداخل الإيراني والتدخلات الإقليمية ودعم الميليشيات المسلحة عبر الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، تشكل أضلاع مثلث البقاء لنظام ولاية الفقيه. فعندما يعجز الجهاز الحاكم عن معالجة الأزمات المعيشية والاقتصادية المتفاقمة، يفتعل الحروب والأزمات لتشتيت الأنظار. من هنا، جاءت قراءة اللجنة العربية الإسلامية لرفض تدخلات النظام الإيراني، برئاسة موسى المعاني، لتؤكد أن هذه السياسات العدوانية تمثل دليلاً قاطعاً على تعاظم أزمة الشرعية، وليس دليلاً على الاستقرار أو القوة.

الحلقة المفقودة في معادلة الردع
رفض ثنائية الاسترضاء والحروب المدمرة
على مدار العقود الماضية، تراوحت المقاربات الدولية والإقليمية حيال طهران بين نهج الاسترضاء العقيم الذي أغرى النظام بالتمادي في مشاريعه العابرة للحدود، وبين التلويح بـ الخيار العسكري المدمر الذي لا يطال سوى البنى التحتية والدماء لشعوب المنطقة دون إسقاط مسببات الأزمة. وهنا تكمن أهمية الوثيقة العربية الجديدة؛ إذ تقدم مقاربة ثالثة تقوم على تفكيك جذور المشكلة لا مظاهرها فحسب. فالبيان يشدد على أن الأمن الجماعي الإقليمي يظل منقوصاً ما لم يُعتمد على العامل الداخلي، ممثلاً في الشعب الإيراني وقواه الحية الساعية للتحرر، بعيداً عن أوهام التعويل المطلق على التدخلات العسكرية الخارجية.

خوف المنظومة الحديدية
دلالات التصعيد ضد المقاومة المنظمة وتآكل الشرعية
إن تكثيف القبضة الأمنية وموجات القمع المحمومة ضد المعارضين وأنصار مجاهدي خلق الإيرانية داخل الجغرافيا الإيرانية لا يعبر عن ثقة بالنفس، بل يترجم حالة من الهلع الوجودي تعتصر أركان السلطة. إن وجود حركة معارضة منظمة ومتجذرة يشكل كابوساً حقيقياً لمؤسسة الحرس الثوري التي تُعد الأداة المركزية للقمع الداخلي وإشعال الحروب. إن المجتمع الإيراني، الذي يرزح على حافة الانفجار الاجتماعي، بات يمتلك البديل الوطني المتمثل في المقاومة المنظمة، وهو ما يفسر إصرار النخب العربية على ضرورة دعم حق الشعب الإيراني في تقرير مصيره وإنهاء حقبة الاستبداد الديني.

نحو هندسة استراتيجية جديدة
أفق الجمهورية الديمقراطية غير النووية
تختزل الوثيقة العربية رسالة جيوسياسية بالغة الوضوح تفيد بأن استقرار الإقليم واستتباب الأمن الإقليمي رهينان بإسقاط نظام ولاية الفقيه وإرساء دعائم جمهورية ديمقراطية غير نووية.

إن هذه الرؤية لا تخدم تطلعات الشعوب العربية وحدها، بل تتقاطع موضوعياً مع المصلحة العليا للمجتمع الإيراني التواق للسلام وحسن الجوار. إن رهان شعوب المنطقة يجب أن يتحول تدريجياً من إدارة الأزمات ومواجهة الأذرع إلى دعم الحل الجذري المتمثل في مساندة القوى الديمقراطية الحية، لترسم إيران مستقبلها كدولة مسالمة تحترم سيادة دول الجواروتتخلى عن أوهام الهيمنة الإقليمية.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى