لماذا تعثّر بناء الدولة العربية الحديثة؟

خاص “المدارنت”
الدولة العربية الحديثة
من احتكار السلطة إلى دولة المواطنة
يفتح مقال مروان حبش، المنشور في موقع «فينيكس» بتاريخ 12 تشرين الأول 2026، بعنوان «من الدولة الدينية إلى دولة المواطنة.. حين تصبح الدولة ملكاً لجميع مواطنيها»، باباً للنقاش يتجاوز العلاقة بين الدين والدولة إلى سؤال أعمق: كيف تصبح الدولة ملكاً لمواطنيها، لا مجرد سلطة تحكمهم؟
ومروان حبش سياسي وكاتب سوري، وعضو سابق في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، تولّى وزارة الصناعة في سورية، واعتُقل بعد الحركة التصحيحية عام 1970، وأُفرج عنه عام 1993. واصل بعد ذلك الكتابة في الشأنين السياسي والفكري، مستنداً إلى تجربته داخل السلطة وإلى ما عايشه من تحولات في سورية.
فالمشكلة التي يطرحها النقاش لا تتعلق بمرجعية الدولة وحدها، بل بطبيعة السلطة التي تديرها، وبقدرة المؤسسات على إخضاعها للقانون ومنعها من احتكار القرار والتمثيل.
عرفت المنطقة العربية مشاريع سياسية رفعت شعارات التحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية، كما شهدت تجارب استندت إلى الدين أو إلى حماية جماعات طائفية. اختلفت هذه المشاريع في منطلقاتها وأهدافها، وحققت بعض تجاربها إنجازات في الاستقلال والتعليم والخدمات والتحولات الاجتماعية. غير أن تلك الإنجازات لم تكن كافية، في حالات عديدة، لإقامة دولة تستمر مؤسساتها وتستقل في أداء وظائفها عن إرادة الحاكم أو الحزب المسيطر.
احتلت القومية العربية موقعاً أساسياً في معارك الاستقلال والتحرر من الاستعمار، وعبّرت عن تطلعات واسعة إلى الوحدة والتقدم والعدالة. ولا يصح إنكار ما حققته بعض تجاربها، أو محاكمتها بمعزل عن ظروفها التاريخية. لكن الاعتراف بإنجازاتها لا يلغي السؤال عن أسباب تعثّرها في بناء مؤسسات قادرة على حماية المجتمع من تغوّل السلطة، حتى حين ترفع تلك السلطة شعارات التحرر والوحدة.
لم يكن الخلل في الشعارات وحدها، بل في العلاقة التي نشأت بين المشروع السياسي والسلطة. فعندما يصل حزب إلى الحكم باسم قضية وطنية أو قومية، قد يتحول تدريجياً من أداة لتحقيقها إلى مرجع يحتكر تفسيرها وتمثيلها. ومع غياب التعددية والمحاسبة، يصبح بقاء الحزب مرتبطاً ببقاء القيادة، ويُعامل الاعتراض على قراراتها كأنه اعتراض على المشروع نفسه أو تهديد للوطن. عندئذٍ لا تعود السلطة مسؤولة أمام المجتمع، بل تطالب المجتمع بالولاء لها باسم الأهداف التي رفعتها.
وساعد على ترسيخ هذا المسار ضعف الضوابط المؤسسية، وتداخل الحزب بأجهزة الدولة، ودور المؤسسة العسكرية في حسم الصراعات السياسية. فعندما لا توجد قواعد ملزمة لتنظيم الخلاف وتداول السلطة، تصبح السيطرة على أدوات القوة أقوى من القانون، وتتحول المؤسسات من مرجع يحتكم إليه الجميع إلى مواقع تتنافس القوى النافذة على السيطرة عليها. وبذلك لا يعود تغيير القيادة كافياً لتغيير طبيعة النظام؛ إذ يمكن أن تتبدل الوجوه فيما تبقى آليات احتكار القرار على حالها.
تقدم التجربة السورية مثالاً على هذا التناقض. فمنذ استيلاء حزب البعث على السلطة بانقلاب 8 آذار 1963، مروراً بانقلاب 23 شباط 1966، وصولاً إلى الحركة التصحيحية التي أُعلنت في 16 تشرين الثاني 1970، حُسمت صراعات متتالية داخل السلطة بموازين القوة، ولا سيما داخل الحزب والمؤسسة العسكرية.
لم تكن تلك المحطات مجرد تغييرات في القيادة، بل كشفت عن عجز البنية الحاكمة عن تنظيم خلافاتها بقواعد مؤسسية ملزمة. فقد تداخل الحزب والجيش وأجهزة الدولة في صراعات لم تكن لها آليات مستقرة للاحتكام، وأصبحت السيطرة على أدوات القوة عاملاً حاسماً في تحديد من يحكم. ولم تستطع المؤسسات فرض حدود واضحة على مراكز النفوذ أو ضمان انتقال السلطة وفق قواعد مستقرة.
ولا تختزل التجربة البعثية في هذا الجانب وحده؛ فقد شهدت سورية تحولات اجتماعية واقتصادية، وتوسع دور الدولة في التعليم والخدمات ومجالات أخرى. لكن اتساع دور الدولة لا يعني بالضرورة بناء دولة المؤسسات. فقد يتسع دور الدولة وتتزايد قدرتها على تنفيذ السياسات، بينما تظل مؤسساتها خاضعة للسلطة السياسية وغير قادرة على محاسبتها. والفرق جوهري بين دولة تقدم الخدمات وتدير المجتمع، ودولة تحكمها قواعد تستمر بصرف النظر عمن يتولى السلطة.
ولا تقتصر المشكلة على التجارب القومية. فالسلطة التي تستند إلى الدين أو الطائفة قد تقع في الخلل نفسه حين تجعل انتماءها معياراً لتوزيع الحقوق والنفوذ، أو تعتبر نفسها الممثل الحصري لجماعة بعينها. ولا يعني ذلك أن التجارب متطابقة، أو أن اختلاف ظروفها ونتائجها يمكن تجاهله؛ بل إن المقارنة تتناول مسألة محددة: هل تقبل السلطة بأن تكون خاضعة لقواعد عامة، أم تمنح نفسها حق احتكار الدولة باسم مرجعية أو جماعة أو مشروع سياسي؟
في هذا السياق، تكتسب دعوة مروان حبش إلى دولة المواطنة أهميتها. فالمواطنة لا تقتضي محو الهويات الدينية والثقافية والقومية، ولا تعني إقصاء المعتقدات عن حياة المجتمع. إنها تعني أن تكون الحقوق والواجبات متساوية، وألا يتحول أي انتماء إلى امتياز سياسي أو قانوني، وألا يُحرم المواطن من حق بسبب هويته أو رأيه. فالتنوع لا يشكل خطراً على الدولة بذاته؛ إنما تكمن المشكلة حين يتحول إلى أساس للتمييز، أو حين تحل الجماعة محل المؤسسات العامة.
لكن المساواة في النصوص لا تكفي ما لم تجد طريقها إلى الممارسة. فقد ينص الدستور على حقوق متساوية، فيما تتحكم المحسوبية والولاءات الحزبية والطائفية بفرص العمل والوصول إلى المواقع العامة. وقد يكون القانون واحداً في نصه، لكن تطبيقه يختلف باختلاف النفوذ. عندها تبقى المواطنة مبدأً معلناً، بينما يعيش المواطن واقعاً تحكمه الوساطة والحاجة إلى حماية أصحاب القوة.
وحين يضطر المواطن إلى اللجوء إلى زعيم طائفته أو حزبه للحصول على حقه، فإن ذلك يكشف خللاً يتجاوز التمسك بالهوية أو الجماعة. إنه دليل على ضعف الثقة بمؤسسات الدولة وقدرتها على الإنصاف. ومع تراجع هذه الثقة، تتعزز الوساطات والولاءات الشخصية، وتتحول الجماعة إلى بديل من المؤسسة، ويصبح الوصول إلى الحق رهناً بالنفوذ، لا بالقانون. وهكذا يعيد ضعف الدولة إنتاج القوى التي تنافسها على دورها، فتزداد صعوبة بناء مؤسسات عامة تحظى بثقة المواطنين جميعاً.
لذلك، لا يتحقق بناء دولة المواطنة بمجرد إعلان المساواة أو تغيير المرجعية الفكرية للنظام. إنه يحتاج إلى قضاء مستقل، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة، وجيش وأجهزة أمن تخضع للقانون، وحياة سياسية تتيح المحاسبة وتداول السلطة. ويحتاج، قبل ذلك كله، إلى قبول السلطة بقيود لا تستطيع تجاوزها، وإلى فصل الدولة عن الحزب أو الزعيم أو الجماعة التي تتولى الحكم. فالمؤسسات لا تصبح مستقلة لأنها تحمل أسماء رسمية، بل لأنها تملك صلاحيات محددة، وتعمل وفق القانون، ولا تتوقف شرعيتها على رضا أصحاب النفوذ.
يفتح مقال مروان حبش نقاشاً مهماً حول الدولة التي تتسع لجميع مواطنيها. واستكمال هذا النقاش يقتضي الانتقال من سؤال مرجعية الدولة إلى سؤال طبيعة السلطة والضمانات التي تمنع استئثارها بها. فلا يكفي أن يحل شعار المواطنة محل شعار آخر، ما لم تتغير القواعد التي تنظم الحكم، وتصبح الحقوق محمية بمؤسسات يستطيع المواطن الاحتكام إليها من دون وساطة أو تمييز.
إن الدولة الحديثة لا تُقاس بالشعارات التي ترفعها، ولا بالمرجعية التي تستند إليها وحدها، بل بقدرتها على حماية حقوق مواطنيها، وإخضاع السلطة للقانون، وضمان ألا يحتكر حزب أو زعيم أو جماعة حق تمثيل المجتمع. فحين تصبح المؤسسات أقوى من إرادة الأفراد، ويغدو القانون مرجعاً للجميع، تبدأ الدولة بالخروج من كونها سلطة تملك المجتمع إلى أن تصبح إطاراً عاماً يملكه المواطنون جميعاً.



