معضلة حصر السلاح واختبارات الشرعية الوطنية!

خاص “المدارنت”
الدستور في مواجهة السلاح الموازي
إشكالية الاحتكار الأمني
يتصدر ملف حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة الواجهة السياسية في العراق، ليتحول إلى اختبار مصيري لهيبة النظام الدستوري وقدرته على فرض سيادته الكاملة. فعلى مدى عقدين من الزمن، أدى تداعيات الفراغ الأمني وتعدد مراكز القرار العسكري إلى نشوء كيانات مسلحة موازية للمؤسسة العسكرية الرسمية، مما خلق ازدواجية بنيوية هددت أركان الدولة الحديثة.
وتشير المعطيات الميدانية والتقارير الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الرصد إلى أن وجود تشكيلات مسلحة خارج إطار الجيش والأجهزة الأمنية لا يقوض فقط كفاءة المنظومة الدفاعية، بل يضعف الاقتصاد الوطني ويزج بالبلاد في أتون صراعات إقليمية ودولية بمعزل عن المصلحة العليا للشعب. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الدائر حول استعادة الدولة لا ينفصل عن ضرورة تطبيق النصوص الدستورية التي تحظر تشكيل تشكيلات عسكرية خارج القوات المسلحة الرسمية.
المسارات التنفيذية والمطبات السياسية
بين ضغوط الميدان وتجاذبات الإقليم
تخوض الحكومة العراقية الحالية برئاسة علي الزيدي مساراً شديد التعقيد لتنفيذ خطط دمج الفصائل وحصر الأسلحة الاستراتيجية بيد الدولة، بالتزامن مع استحقاقات إقليمية ومواعيد محددة لانسحاب قوات التحالف. ورغم إعلان بعض القوى والتشكيلات السياسية، مثل سرايا السلام، خطوات للانخراط في مسار الدولة، تظل هناك فصائل أخرى متحفظة أو رافضة لتسليم أسلحتها الثقيلة والمتوسطة، متذرعةً بأن التخلي عن السلاح في الظروف الإقليمية الراهنة قد يخل بالتوازن الاستراتيجي لصالح أطراف خارجية.
هذا التباين الحاد بين إرادة فرض القانون والضغوط الفصائلية يضع صانع القرار العراقي أمام خيارات ضيقة؛ فإما المضي بحزم نحو إنهاء مظاهر عسكرة المجتمع بغطاء وطني جامع، أو الركون إلى صيغ تسوية مؤقتة قد ترحل الأزمة ولا تحلها من جذورها، مما يعكس حجم التجاذب المستمر بين أجندات السيادة الوطنية وحسابات المحاور الإقليمية.
الرؤية المجتمعية والوعي الوطني
ركيزة الاستقرار ومستقبل القرار المستقل
لا يمكن لأي مسار جاد لحصر السلاح أن يحقق غاياته الاستراتيجية بالاعتماد على القرارات الإدارية وحدها، ما لم يستند إلى بيئة مجتمعية واعية ومحصنة ضد الولاءات العابرة للوطنية. فالتجارب المريرة أثبتت أن استقرار الدول يقاس بمدى التفاف مواطنيها حول المؤسسات العسكرية الوطنية باعتبارها المظلة الجامعة لكل المكونات، بعيداً عن الانتماءات الحزبية أو المذهبية الضيقة.
إن بناء الثقة بين الحكومة والمجتمع يتطلب تحقيق عدالة توزيع السلطة والثروة، وتكريس سيادة القانون على الجميع دون استثناء. وعندما يلمس المواطن أن الدولة قادرة على حمايته وتوفير الأمن والخدمات بمعزل عن هيمنة السلاح المنفلت، تتآكل بالضرورة شرعية الجماعات المسلحة وتنتصر إرادة الدولة المدنية الدستورية.
نحو صياغة وطنية جامعة تنهي حقبة الفصائل
تؤكد التطورات السياسية الراهنة أن العراق يقف على مفترق طرق تاريخي؛ فإما عبور مرحلة الانقسام الأمني نحو ترسيخ سيادة مؤسسات الدولة وتأمين حدود القرار الوطني، أو البقاء رهينة لمعادلات الاستنزاف الدائم. إن نجاح مسار حصر السلاح ليس مصلحة داخلية فحسب، بل هو الشرط الأساسي لتعافي الاقتصاد وجذب الاستثمارات وحماية البلاد من التداعيات المدمرة للحروب بالوكالة.
وفي الختام، فإن استعادة الدولة لقرارها السيادي والأمني تتطلب شجاعة سياسية تتجاوز الحسابات الفئوية الضيقة، لتلتقي عند ثوابت المصلحة الوطنية العليا، معلنة بذلك بداية مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: لا سيادة فوق سيادة القانون ولا سلاح خارج شرعية المؤسسات.



