مقاربات فكرية بين المنطق واللامنطق سبل الوجودية الإيجابية/ الجزء (5-10)

خاص “المدارنت”..
يذهب اللامنطق إلى ضرورة التزام ما يُسمى بالحركات الثورية أو المقاومة في الخطابين، الديني والمدني، ينفصل أحدهما عن الآخر، مفهوما ومنهجا، كما ويجمع بين الطوائف والمذاهب المتناحرة، غير آبه لما يفصل بينها من آراء ومبادئ.
وهذا يعاكس ويعارض منطق التشريع الإسلامي وما أظهرته النصوص القرآنية، التي تذهب بالخطابين، الديني والمدني، إلى ضرورة توحدهما واتحادهما، مفهوما ومنهجًا، مع التأكيد إلى ضرورة الاندماج والانصهار الفكري والمعرفي كما أرادت الشرعية السماوية، وفطرتها الانسانية، وليست الشرعية الدولية، تلك التي تعزز قدرة الإنسان الفرد ودوره العملي الاخلاقي والقيمي، على كافة الصعد الحياتية، حيث يؤدي إلى مماثلة الامة العربية الإسلامية مع سائر الأمم، وجودا وحضورا وحضارة، على المستوى العالمي، حيث تلتئم الجراح وينتقل الصراع إلى خارج حدود اراضيها، ثم تُظهر اعمالها التطبيقية فيما خصّها الله، من تمايز سيادي وثقافي عن سائر الأمم، إضافة لبيان ما تملكه من قوة المواجهة لكل من يريد النيل وجودها وكرامتها ومصالحها.
وهكذا تتحول إلى أمة ترعى مصالح الإنسانية، أينما وجد الإنسان، عالميا، حيث ترقى إلى سيادة العالم كما أراد الله و أمر .”خير أمة أخرجت للناس…”، والآيات في هذا المجال كثيرة، بمدلولها ومعناها، لا تحمل التحريف ولا التأويل. وبلا شك، فإن هذه النصوص القطعية، خير دليل لاهلية العقل العربي المؤمن على حمل لواء الحضارة الإنسانية وعالميتها، إضافة لما تغرسه من قيم وفضائل، بأبعادها العملية التطبيقية، ومفاهيمها النظرية.
لا شك أن العقل العربي، ماضيا وحاضرا، يعاني إشكاليات عديدة متنوعة، سواء كان: مجتمعي، أو نخبوي، أو فئوي، أو عنصري، أو متطرف.. والسبب انها جمعها، كعقل، تختصر الموروث المثقل بالشواءب والتسريبات العدائية المدسوسة، والمعروفة بالإسرائيليات، والتي سمحت لسحر أصابع العنصرية الحاقدة، للذهاب الى كثير من التحريف والتأويل للوقائع والأحداث التاريخية العربية، على مستوى الانصهار الفكري بين القومي والديني، ما أدى إلى شيوع الفتن والخلاف بين أبناء الدم الواحد.
وكي نتحاشى هذه المسببات الخلافية، يلزم ضرورة التجرد والموضوعية والحياد إلى نصرة الحق في بناء فكر متحرر حيادي مدرك وواعي، ومن ثم التوجه الى قراءة ميدانية شاملة وموضوعية لتاريخ الامة — قبل الدعوة وبعدها — قراءة نقدية بنّاءة، اعتمادا على ثوابت القوانين والتشريعات القرآنية القطعية، ذات الوضوح والبيان، سبيلا أصيلا للخروج من كل ما يسمى إشكاليات.
هذا الأمر يحتاج إلى تفكيك، وتحليل، واستقراء، وربط، ثم استنباط واستنتاج، ويتزامن، ايضا، مع عمل جاد مدرك مستمر مبدع، تحقيقا لأمر الله ونهيه، كما ويتطلب الجرأة الفكرية النهضوية المجردة التي تفتح الأبواب، على كافة المستويات العلمية والعملية والتخصصية الجامعة لكافة العلوم، عن طريق إنشاء مجامع علمية تخاف الله، غايتها الأجر والثواب.
لقد أراد الله لأمتنا العربية الإسلامية، السيادة العالمية، عقيدة وهوية، بأدلة نصية قطعية، ما أن تمسكت بكتابه العظيم، وعلى هذا، لن تستطع أعتى القوى العدائية وتحالفاتها أن تحقق أهدافها ضد أمتنا من إبادة وتهجير وقتل ودمار، ما دام الإيمان راسخ في أن الله خير الحافظيـن.
الصراع العالمي، صراع عقدي وإلى الابد، حيث تمثلت قواعده في أصول ما تمسكت به الأمم من شرائع سماوية — رغم أنها في جوهرها واحدة المصدر والمقصد، ومتممة،ايضا،لبعضها البعض. — اضافة الى واقع حضاراتها القديمة، وما تمتعت به من عقيدة، والتي مثلت اصل العدائية مع العرب، الذين أخذوا بالعقيدة المحمدية، وحملوا لواء تنزيلها الإلهي، دعاة مسالمين، تحقيقا للعدل الالهي، وأساليب تشريعه، من أجل بناء إنسانية الإنسان، فكرا وعملا.
هنا وجب التنويه إلى أن — ومنذ الماضي البعيد — الفرس والروم اقتتلا وتصارعا، على مدى سبعة قرون ،ولم يسيطر احدهما على الآخر، فجاءهم الإسلام العربي، بأناس حفاة عراة، يؤمنون بالله ورسوله فقضى على كليهما، مما دفعهم إلى تخالفاتهم، القديمة الجديدة، ولا يزالون.
ها هي حرب غزة، وتحت انظارنا، ولم يبقَ انسان على وجه الكوكب إلا وأدلى بدلوه، سواء مؤيدًا أو معارضًا، وبلا شك فإن عملية “طوفان الأقصى”، أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمامات الدولية والعالمية، — بغض النظر عن الأسباب الشرعية الموجبة، وعن النتائج الكارثية الحاصلة، اضف لغياب الوضوح في المواقف الدولية العالمية وأهدافها — لقد ذهبت تلك الحرب إلى أبعد ما اعتدنا عليه، بين العرب والعدو (الإرهابي) الصهيوني المحتل. من أساليب المقاومة الشعبية والكفاح المسلح، داخل الأرض المحتلة، مع بيان ثورة حجارتهـا.
وللبيان، فقد أثبتت معالمها الكارثية إلى أنها حرب إبادة وتهجير لا رجعة فيه، لمن بقي حيّا، والدلالة أنها الاعظم عنفا وفتكا وتدميرا، مما يؤكد الصمت العالمي وتامرا، بل ومشاركته عمليا، دعما ومساندة، لذلك العدو المتغطرس المتجبّر، ولكن الأبشع وتامرًا وتخاذلًا، تلك الدول الزاعمة بانها تدعم وتساند أهل غزة. ومن منظار ما يشوبها من غموض، فيكن الذهاب إلى أن عملية “طوفان الأقصى”، ما هي إلا عملية توريط لما يخطط له داخل أروقة الأنظمة العالمية وتحالفاتها العدائية، ومن ضمنها محو غزة عن الخارطة الفلسطينية، كي تعود وترسم من جديد على ما هو مخطط له، الى جانب استباحة منهج حق الدفاع عن النفس وحق التحرير.
لقد جعلوا من حربهم على غزة، أطباق على “حماس وأخواتها، طمعا للاطباق على الامة بكاملها، عقيدة وهوية، تحقيقا لمخططهم الاستسلامي، والاعتراف بحق الوجود الصهيوني المماثل لباقي دول المنطقة. وعلى هذا يكونوا قد اطبقوا على الامة بكاملها، عقيدة وهوية، انطلاقا لما تمثله فلسطين، على الصعيدين القومي والديني، فمن جهة تمثل مهد الاديان، ومن جهة اخرى، تمثل مسرى النبي محمد (ص) العربي. وعلى هذا الأساس نعتبر حالة الصراع قمة التحديات على مستوى واقع الأمة، وجودا وحضارة، فالنتائج كارثية على الأمن القومي العربي برمته، وعلى مفهوم العقيدة والمتنازع عليه بين أهله، من تسليم عام، إلى معتدل ثم إلى متطرّف وعنصري متعصب.
كل ما يجري داخل فلسطين، وفي غزّة تحديدا، أبعد من كونه تحليل سياسي، وستبقى أهدافه، أسرار وألغاز لعقود، ستبقى طيّ الكتمان. ولربما الهدف غايته إنهاء حالة التطرف والتعصب الديني الإسلامي مبررا وحجة للانقضاض على جوهر العقيـدة واستباحتهـا الايمانيـة.
لو عدنا إلى الماضي القريب، لوجدنا ثمّة تحولات سياسية حدثت مع سبعينات القرن العشرين. تمثلت:
1/ بوصول (الإمام) الخميني الى سدّة عرش كسرى الفارسي، وما حمله من أفكار عقيدة.
2/ صعود “مجاهدي العرب” داخل أفغانستان، ضد الاتحاد السوفياتي سابقا. هذان الأصلان كانا المحفّزان الرئيسان لظهور الأصولية الإسلامية، — سنّية وشيعيّة، التي راحت تتحكم بقرار الصراع العربي/ الصهيوني، والتي هي أدوات تحركها تلك التي صنعتها من دول الغرب الفرنجة أو الشرق الفارسي.
هذا الأمر لم يرق أهل السنة المتربعون أنظمة الامة العربية الإسلامية، مما ترك ترك جمرا تحت الرماد، حاميا ومتحركا بين ما يسمى صراع وقتال مذهبي — سني/ شيعي — على ساحة الامة. حيث كل اتجاه يعمل لإثبات وجوده الدولي على ساحة الشرق الأوسط، إلى جانب ضرورة امساكه بالقرار السياسي ايضا، والمهم أن كل منهما بخلفيات عدائية متناقضة، واخذين بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة. فاختلط الحابل بالنابل وضاعت الحقيقة بين هذا وذاك.



