من ليبيا إلى العراق.. أي مصير للدول الهجينة؟
“المدارنت”
تزامن في ليبيا، الشهر الحالي، حدثان خطيران: اغتيال اللواء فوزي المنصور، أحد كبار مسؤولي الاستخبارات العسكرية في معسكر خليفة حفتر، بسيارة مفخخة في بنغازي، مع سلسلة ضربات بالمسيّرات على منشآت الطاقة والكهرباء في مدينة الزاوية غرب طرابلس. يهز الاغتيال إحدى ركائز شرعية سلطة الشرق، التي تقدم المناطق الواقعة تحت سيطرة حفتر باعتبارها أكثر أمنا واستقرارا، فيما حصلت الهجمات داخل بيئة تعج بقوى تحمل أسماء رسمية وتنتسب إلى وزارات وأجهزة الدولة من دون أن تخضع لسلسلة قيادية واحدة.
يقدّم مثال العراق، في المقابل، نموذجا أكثر مأسسة للميليشيات، التي تعمل داخل الهيكل القانوني للدولة، لكن عددا منها يحتفظ في الوقت نفسه بقيادته وقدراته الصاروخية والمسيّرة وعلاقاته المستقلة مع إيران بحيث لا يحدد إعلان الاندماج الرسمي من الذي يمتلك القرار الفعلي باستخدام السلاح.
تكشّف الأمر بوضوح خلال ما أفرزته تداعيات الحرب الأمريكية – الإيرانية، مع الكشف عن إنشاء «الحرس الثوري» الإيراني خلايا عراقية تعمل بأوامر مباشرة منه، ونسب إليها إطلاق هجمات بالمسيرات من مناطق قريبة من البصرة والسماوة باتجاه السعودية والكويت والإمارات بين 20 نيسان/ ابريل و17 أيار/ مايو، وفي الشهر الماضي أعلنت أمريكا والسعودية أنهما ضربتا بعضا من هذه الجماعات بعد هجمات على منشآت نفطية سعودية.
بعد أكثر من عقدين على إسقاط نظام صدام حسين، وخمسة عشر عاما على سقوط معمر القذافي، تقف ليبيا والعراق إذن أمام مفارقة تكاد تختصر مأزق الخروج من الاستبداد والحرب، وبدلا من أن يؤدي سقوط النظام المركزي العنيف الذي احتكر القوة بالعنف إلى نظم أهلية ديمقراطية، نشأت قوى مسلحة تتنقل بين صفة الميليشيات بالمعنى التقليدي، وكونها جزءا من المؤسسات، من دون أن تسمح للدولة بالسيادة أو احتكار العنف.
تكشف الأحداث الأخيرة في ليبيا عن مفارقة كبيرة وهي هشاشة النظامين الأمنيين في الشرق والغرب، فالحكومة في طرابلس، التي لا تستطيع تحديد من يقصف أهم منشآتها النفطية، والحكومة الموازية في بنغازي، لا تستطيع منع تفجير أحد كبار مسؤوليها الأمنيين، وكلا الحدثين يظهر أزمة بنيوية تتجاوز كونها مشكلة أمنية عابرة.
وحين تتواجه قوّتان «رسميّتان» (أو أكثر)، تنتسبان إلى الدفاع أو الداخلية أو أجهزة المجلس الرئاسي، تحتاج الدولة إلى قوة رسمية ثالثة للفصل بينهما فتصبح مؤسسة الدولة واجهة تجمع مراكز القوى بدلا من أن تكون مركز القيادة الذي يخضع هذه القوى مجتمعة.
في العراق، جرى المسار نفسه بطريقة مختلفة. حل الاحتلال الأمريكي مؤسسات النظام السابق وأعاد بناء المجال السياسي والأمني على أسس طائفية (سنة وشيعة) وقومية (الأكراد)، وهو ما ساهم في نشوء الحرب الطائفية وصعود تنظيم «الدولة الإسلامية» ووسّع الحاجة لطرف طائفي مقابل فتأسس «الحشد الشعبي» بفتوى من المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، ولم يمنع تحوّلها الى مؤسسة قانونية إلى تحوّلها إلى دولة داخل الدولة، تملك نفوذا كبيرا في الإدارة والاقتصاد.
واحتفظ كثير منها بعلاقة استراتيجية مع طهران، مما جعلها تدور في فلك السياسة الإيرانية، وتمتلك قوة تختصم من قوة الدولة العراقية، كما تعمل أحيانا بعكس مصالح البلاد والعباد. كما أن امتلاك هذه الميليشيات لاقتصادها الخاص، القادم من الموازنة العامة للدولة كما من العقود والشركات والنفوذ ومسالك التجارة، يجعلها تهديدا لنظام كامل من المصالح.
تتقاسم ميليشيات العراق وليبيا (وهي تتشابه في ذلك مع ميليشيات في دول عربية أخرى) ثلاثة حقوق يفترض أن تكون حصرية للدولة: استخدام القوة، وجمع الموارد، وتقرير طبيعة العلاقة مع الدول الأخرى. فشل الدولتين في حل هذه المعضلة يكشف أن إسقاط الدكتاتورية لا يكفي لبناء الدولة. لقد انتقلت البلاد من الاحتكار الاستبدادي للسلطة إلى تعدد الاحتكارات وخصخصتها، فيما بقيت الدولة حلقة مفقودة ومصيرا غامضا لا تعرف نهايته.



