“نفثات مصدور” في ذكرى غياب د. عبد المجيد الرافعي

كتب د. خالد بريش/ باريس
خاص “المدارنت”
تمر الأيام ثقالًا، فنحسب يومها عامًا، تتوالى على الرؤوس الكوارث من كل حَدْبٍ وصَوْبٍ، فنحسبها من علامات القيامة. فلا أمن ولا أمان، ولا لقمة عيش بكرامةٍ، فيما لو وجدت، وكأن «سَفَرْ بَرْلِكْ» قد عادت مآسيه.
المجرمون لا يُحاكمون، لأنهم محميّون بقلاع الطائفية والمذهبية، والحقوق والقانون في خبر كان. والسُّجون تغصُّ بالأبرياء من أبناء طرابلس، لأسبابٍ طائفيةٍ مذهبيةٍ مَحْضَةٍ، وبسبب إرادة قُوَى الأمر الواقع الحاقدة.. وودائع المواطنين وجنى عمرهم، تبخرت بين عشيةٍ وضُحاها، وذهبت إلى جُيوب حيتان الوطن والسياسة.. نتلفت من حولنا، فلا نرى ما يُسِرُّ حقًّا..! فيصدق في حالنا قول الشاعر لَبيدِ بنُ رَبيعَة:
ذَهَبَ الَّذينَ يُعاشُ في أَكنافِهِم وَبَقيتُ في خَلفٍ كَجِلدِ الأَجرَبِ
يَـتَـأَكَّـلــونَ مَـغـالَــةً وَخِـيـانَــةً وَيُعابُ قائِلُهُم وَإِن لَم يَشغَبِ.
وتأتي ذكرى غيابك يا رفيق الشعب وحبيبه، فيفرض حُضورك نفسه علينا جميعًا، نحن من عاصَرْناك، وعاصَرْنا تلك المرحلة العظيمة حَقًّا، من تاريخ نضال الجماهير على الساحة اللبنانية، وعلى وجه الخصوص في طرابلس الأبية، فنطلق زَفَراتٍ وحَسَراتٍ على ما نحن فيه اليوم.. لكن ذِكْراك تجعلنا نحلم مرةً أخرى، بِعَبَقِ عِطْرِ تلك الأيام الخوالي، لِنغوصَ في هدير هُتافات الجماهير وزحامهم في شوارع الوطن، وتلك التظاهرات الحاشدة التي كانت تنطلق من الجامع المنصوري الكبير، فتقلب الطاولة في وجوه السَّاسة، فتستقيل حكومات الحيتان، وتسقط رؤوسٌ، وتفرض كلمة الجماهير نفسها على أرهاط القبيلة والمذهب والطائفة، فتذهب بعض القوانين التي صمموها على مقاسهم إلى سلة المُهْمَلات، ويتوقف العمل بأخرى، بعد دُخولها ثلَّاجات المجلس النيابي إلى غير رَجْعَةٍ..
تُطلُّ علينا في ذكرى رحيلك من عالم الغِياب، لِتسْبِقنا بالسؤال عن أحوال الأمَّة الغارقة بالتِّشرْذُم والضَّياع، وعن الوطن فيما لو خرج من مَتاهَة تُجَّار الوطنية والميثاقية، وأصبح وطنًا لكل أبنائه..؟ وعن فلسطين الجريحة حبك وحبنا جميعًا، المُتنافسة على قلوبنا مع أمِّنا جميعًا طرابلس. وتبقى نَبْرَةُ صوتك المُعَشِّشَة في المَسامِع حاضِرَةً، وأنت تسأل أبناء مدينتك «كيف طرابلس..؟»، وأنت في قرارة نفسك، تعلم وتعرف عنها أكثر مِمَّنْ تطرح عليه السؤال..! لكونها كانت هَمَّك، ودَمْعَك، وفرحك.. وكان شُغْلك الشاغل أهلها وشبابها ومستقبلهم جميعًا، ومستقبلها.. وهنا يُؤْسِفُني يا حكيم، أن أقول لك: إن حبيبتك وحبيبتنا ليست بخير..! نعم يا حبيب الشعب، ورفيقه في معاركه، طرابلس ليست بخير..!
فقد غدا يتناتشها قوم يتسلقون على كراسي الزعامة، قادمون من اللامكان.. بينهم من جمع مالا وعَدَّدَه، يُردِّدُ مع صوت سَعير نار جهنَّم «هلْ مِنْ مَزيد..؟» وآخرون ما يزالون صغارًا، يَحْبُونَ في مدرسة السياسة، بلا تاريخٍ نِضالِيٍّ، ولا خِبْرةً في العمل الاجتماعي الإنساني، وكل ما في الموضوع، أنهم بفضل دولاراتهم، والقانون الانتخابي الغريب العجيب، الذي لا يُعْرف له رأسٌ من عَقِبٍ، وصلوا إلى سدّة المجلس النيابي العتيد، ولكل واحدٍ منهم جيشٌ من الذباب الإلكتروني، مهمته الدفاع عن مآثرهم الأشبه بسراب.. ولكن الحق يُقال، إنهم يمتعون أهالي المدينة بصورهم في المآدب والمراسم، وبابتساماتهم الماكرة التافهة.. فغدا الطرابلسيون يتندمون ويترحمون على أيام الإقطاع السياسي ورجالاته..!
أعرف أنك تودُّ سماع أكثر عن طرابلس وأخبارها، وببساطةٍ أقول لك: إن قضايا المواطن المسكين، التي طالما ناضلت من أجلها، وإلى جانبك كل الشرفاء من أبناء المدينة، ابتداء من رغيف الخبز، والماء النظيف الصالح للشرب، والكهرباء، والكتاب المدرسي، والطبابة، والدواء، وانتهاء بالمشاريع التنموية والعُمْرانية الخ.. فهذه أمور يا حكيم، ليست على جداول أعمال ساسة المدينة الجُدُد، ولا يتناولونها أو يتطرقون إليها في أحاديثهم. وأن المدينة لم يوضع فيها حَجَرٌ على حَجَرٍ منذ عقودٍ وعقود..! والسَّاسة الأشاوس الجُدُد ينتظرون بفارغ الصبر «مشروع ضمٍّ وفرزٍ جديدين” لتقاسم مَغانهما، وكذلك البَتُّ في قانون «الأملاك البحرية»، وقد أعدوا العُدَّة، بانتظار ساعة الصفر..
أما البلدية التي كنت تُنادي بإبعادها عن الصراع والتناحر السياسي، بين أرهاط المدينة وساستها، مُرددًا على مسامع الجميع: «أبْعِدُوا العمل البَلَدِي عن السِّياسَة»، لكي تنجح البلدية في تأدية دورها، وتستفيد المدينة من خدماتها. أبشرك أن ذلك قد حدث فعلًا يا حكيم، والحمد لله، فقد أخرجوها من متاهات وصراعات السياسيين، وأدخلوها إلى مراحيض السياسة ووساخاتها، وانتقل إلى أعضائها المُنْتخبين ذلك السرطان القميء «ما بيخلونا..!»، ولم يعد الترشح لمجلسها تكليفا، ولا حتى تشريفا، فدخل معظم أعضائها الأشاوس في أكمام ثوب شعارك الانتخابي القديم الجديد «كأنَّهُم خُشُبٌ مُسَنَّدَة..!».
أما فلسطين، فها هي ذي صامدةٌ، في وجه عدوِّ صُهْيُونيٍّ لا خلاق له، ومن خلفه كل العالم الاستعماري المًتحضِّر، المدافع طبعا عن حقوق الإنسان، وبعض الأعدقاء أيضًا. نعم صامدةٌ منذ قرابة السنتين صمودًا أُسْطورِيًّا أشْبَه بِمُعْجِزَة، وتخطى كل التصورات.. ولكن لِسوءِ الحظِّ، فإن طرابلس في هذه المرة، لم تكن على الموعد كعاداتها، وأن أكبر تظاهرة داعِمَةٍ لفلسطين، ولغزة العِزَّة التي تذبح على الهواء مُباشَرَةً، لم يتجاوز عدد المُشاركين فيها بضع مئاتٍ..! وكأن هذه المدينة لم يعد لها بفلسطين صلة ورحم، وكأن شبابها الذي ذهب للدفاع عنها في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، ورووا بدمائهم ثراها، وانغرسوا في تُرابها شُهداء، وكل الذين استشهدوا من بعد ذلك على تراب الجنوب في أشرس وأشرف المعارك مع العدو الصهيوني، لا يمتون لهذا الجيل بصلةٍ..!
في ذكرى غيابك يا حكيم، تتوالى الصور على المُخَيِّلة، وتتحرك الذاكرة في كل الاتجاهات، فتتوقف العيون في قاعة المحكمة، وأنت تقف بشموخٍ مُتَّهَمًا، لكونك تُدافع عن حقوق أبناء مدينتك، ضد شركة قاديشا التي كانت تستغلهم. يومها رفضت أية مُعامَلةٍ خاصَّةٍ من القاضي بسبب حصانتك النيابية، مطبقا شعارك «نحن الشعب»، نعم نحن الشعب ومن غيرنا..! وتنفتح شبابيك الذاكرة على طُهْر أعتاب المُسْتَوْصفات، المُنْتشرة على تراب الوطن، من أقصى جنوبه إلى شماله، والتي كانت تقدم الطبابة والعلاج مجَّانًا لكل من دخلها، من دون تمييزٍ على الإطلاق.. وتُطالعنا سعادة وابتسامات وجوه كل من أوفدتهم إلى دول العالم المُخْتلفة، وهم بالآلاف من دون أن تُتاجِرَ بذلك، ولا أن تطلبَ منهم وَلاءً، وكان شعارك الوحيد «اذهبوا، وتعلموا، وعودوا، لكي تخدموا وطنكم ومدينتكم»..

تتوقف الذاكرة على منظر تلك البواخر الراسية في مرفأ طرابلس، وهي تُفْرغُ حمولتها من المعونات الغذائية المختلفة، التي كانت تُوزَّع على كل المدن والقرى اللبنانية بلا تفرقة ولا تمييز.. وتلك الأخرى المُحَمَّلة بالطحين، الذي كنت توزعه على الأفران، لكي تخبزه وتوزعه بالمجان على كل من يريد من أبناء الشعب، شعارك قوله تعالى: ﴿لا نُريدُ مِنْكُمْ جَزاءً ولا شُكورًا..﴾، فكسرت بذلك احتكار رغيف المواطن، ولقمة عيشه، ورفعت صوتك في وجه الإقطاع السياسي يومها صارخًا: «عيب..! طرابلس أمنا جميعا وأهلها أهلنا».. ولكن خَلَفَ من بعدك قومٌ، وزَّعوا الخُبْز بأكياسٍ، طبعوا أسماءَهُم عليها للتفاخر، وبعضهم وزَّع بعض كراتين المُساعدات، وكتب اسمه عليها أيضًا، بل وتصور معها، ونشر صوره على كل مواقع التواصل الاجتماعي، وكنت رحمك الله ترفض كل ذلك، منطلقا من قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْروفٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى..﴾، وهل هناك أذى أكبر من الممكن أن يلحق بالمواطن والإنسان البسيط، من تجريح كرامته، وإهانته بالصدقات، وإذلاله برغيف الخبز، ولقمة أولاده..؟!
في ذكراك يا طيّبا، يا ابن الطيّبين، أيها الطرابلسي العروبي الأصيل، لا نملك لك إلا الدُّعاء بالرَّحْمة والمَغْفرة، وتبقى مآثرك، وما قُمْتَ به على مُسْتوى مدينتك والوطن من خدماتٍ حاضرةً لا تُنْسى، ولا يَطال كعبها أحدٌ من كل الساسة المُتواجدين على السَّاحَة حاليًّا..! وتبقى وصيتك «إيَّاكُم واليَأْس.. إيَّاكُم واليَأْس..» تُنير الدَّرْب كلما اشتدَّت الحَوالك، وشتَّ بنا المَسار..



