هل يتخلى الوارث عن إرثٍ لم يكن له؟

خاص “المدارنت”
إيران بين وهم امتلاك الجوار ونهاية سياسة التمدد الإقليمي
على مدى عقود، تعامل النظام الإيراني مع المنطقة العربية بمنطق يتجاوز مفهوم الدولة وعلاقات الجوار. لم ينظر إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين باعتبارها دولاً ومجتمعات ذات سيادة وقرارات وطنية مستقلة، بل بنى تدريجياً شبكة نفوذ عابرة للحدود، مستخدماً الأيديولوجيا والسلاح والوكلاء المحليين كأدوات لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يخدم مصالحه.
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية اليوم: هل يتخلى النظام الإيراني فعلاً عن سياسة التدخل في الدول العربية، أم أنه يعيد ترتيب أدواته بعد الضربات التي تلقاها مشروعه الإقليمي؟
المؤشرات الحالية لا تسمح بعد بالقول إن طهران قررت التخلي عن هذا النهج. فحتى مع تراجع نفوذها في سوريا ولبنان، ما تزال إيران تحاول الحفاظ على شبكة علاقاتها المسلحة والسياسية في المنطقة، مع انتقال واضح نحو إعادة تنظيم أدواتها بدلاً من التخلي عنها.
الوارث الذي لا يملك حق الإرث
المشكلة الأساسية في السياسة الإيرانية ليست فقط في تدخلها، بل في الفكرة التي تقف خلف التدخل.
فطهران تصرفت طويلاً كما لو أن التاريخ يمنحها حقاً سياسياً في محيطها العربي، وكأن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى ملكية، والروابط المذهبية إلى تفويض سياسي، والماضي الإمبراطوري إلى حق في الحاضر.
لكن الدول لا تُورث
لا توجد وصاية تاريخية تمنح دولة حق إدارة جيرانها، ولا أيديولوجيا تمنحها حق امتلاك قرار شعوب أخرى.
العراق ليس مجالاً حيوياً إيرانياً، وسوريا ليست ممراً تابعاً لطهران، ولبنان ليس منصة إيرانية، واليمن ليس ورقة تفاوض دائمة، وفلسطين ليست ملكية سياسية لأي دولة إقليمية.
هذه الدول لها شعوبها ومصالحها وسيادتها، وأي علاقة بينها وبين إيران يجب أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل، لا على الوكلاء والسلاح وشبكات النفوذ.
سوريا.. سقوط أهم حلقات الممر
كانت سوريا إحدى أهم حلقات المشروع الإيراني في المشرق. فقد وفرت الجغرافيا السورية لطهران منفذاً حيوياً نحو لبنان، ومكنت شبكاتها من الحركة والإمداد وبناء البنية العسكرية واللوجستية.
لكن سقوط نظام بشار الأسد شكّل ضربة استراتيجية لهذا النموذج، وأجبر إيران على فقدان جزء كبير من بنيتها السابقة داخل سوريا. وتؤكد دراسات إقليمية أن طهران اضطرت إلى إخلاء معظم أصولها وقواتها من الأراضي السورية، فيما أصبحت دمشق تنظر إلى النفوذ الإيراني باعتباره تهديداً محتملاً لسيادة الدولة.
وهنا تكمن أهمية سوريا الجديدة.
فإذا نجحت دمشق في تثبيت احتكار الدولة للسلاح، وضبط الحدود، ومنع إنشاء شبكات مسلحة مرتبطة بالخارج، فإنها لن تكون قد أغلقت ممراً إيرانياً فحسب، بل ستكون قد أسقطت نموذجاً كاملاً من نماذج إدارة النفوذ في المنطقة.
إيران أمام امتحان تاريخي وطهران تواجه معادلة مختلفة
فشبكة «محور المقاومة» التي بنتها لعقود تعرضت لانتكاسات كبيرة، خصوصاً في سوريا ولبنان، بينما أعادت إيران تنظيم جزء من شبكتها حول العراق واليمن بعد هذه الخسائر.
لكن الخطر يكمن في أن تفسر طهران هذه المرحلة باعتبارها مجرد خسارة مؤقتة، فتعمل على إعادة بناء نفوذها بالطريقة نفسها ولكن بأدوات أقل وضوحاً.
وهنا يجب أن يكون السؤال العربي واضحاً: هل المطلوب تغيير أدوات التدخل الإيراني، أم تغيير فلسفة التدخل نفسها؟
فالانتقال من الميليشيا إلى الشبكة الاقتصادية، أو من الحضور العسكري المباشر إلى الوكلاء المحليين، لا يعني انتهاء التدخل، وإنما يعني تغيير شكله.
ما الذي يمكن أن يمنع عودة النفوذ؟
الرد الأكثر فاعلية ليس حرباً مفتوحة مع إيران، بل بناء دول عربية قوية لا تسمح بتحويل أراضيها إلى ساحات نفوذ.
فالدولة التي تمتلك جيشاً وطنياً واحداً، وحدوداً مضبوطة، واقتصاداً مستقلاً، ومؤسسات قادرة على فرض القانون، تصبح أقل قابلية للاختراق.
من هنا فإن مواجهة النفوذ الإيراني تبدأ من الداخل العربي قبل أن تبدأ من الخارج.
وفي الحالة السورية تحديداً، فإن تثبيت السيادة الوطنية، وإخراج جميع التشكيلات المسلحة المرتبطة بالخارج، ومراقبة الحدود، وتجفيف اقتصاد التهريب، وبناء علاقات متوازنة مع الدول العربية والإقليمية والدولية، تمثل أدوات أكثر استدامة من أي مواجهة عسكرية مؤقتة.
التوقع الاستراتيجي
أرجح أن إيران لن تتخلى سريعاً عن طموحها الإقليمي، لكنها ستضطر إلى إعادة تعريف أدواته وحدوده.
فالتراجع الذي أصاب شبكتها في سوريا ولبنان لا يعني انهيار قدرتها على التأثير، لكنه يجعل استعادة النموذج القديم أكثر كلفة وصعوبة. كما أن استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية والإقليمية قد يدفع طهران تدريجياً إلى المفاضلة بين الحفاظ على النظام الداخلي وبين تمويل مشروع خارجي بات أكثر كلفة.
ولهذا فإن السنوات المقبلة قد تشهد صراعاً بين اتجاهين داخل السياسة الإيرانية:
اتجاه يريد الحفاظ على مشروع النفوذ مهما كانت التكلفة، واتجاه يدرك أن بقاء الدولة الإيرانية نفسها قد يتطلب مراجعة هذا المشروع.
لكن المراجعة الحقيقية لا تعني فقط تخفيف التدخل؛ بل الاعتراف بمبدأ بسيط:
الجوار ليس إرثاً
الخلاصة.. قد تتغير الحكومات، وقد تتبدل التحالفات، وقد تتراجع الميليشيات، لكن السؤال سيبقى قائماً:
هل تستطيع إيران أن تتحول من دولة تريد إدارة محيطها إلى دولة تتعايش مع محيطها؟
هذه هي نقطة التحول الحقيقية.
فالمنطقة لا تحتاج إلى إمبراطورية جديدة، ولا إلى وصاية مذهبية، ولا إلى دولة ترى في تاريخها القديم تفويضاً لإدارة حاضر الآخرين.
إيران دولة في المنطقة، وليست مالكة للمنطقة.|وسوريا دولة عربية ذات سيادة، وليست جسراً إلى لبنان. والعراق دولة لها قرارها، وليس عمقاً استراتيجياً تابعاً لطهران. ولبنان دولة لها شعبها ومؤسساتها، وليس منصة لصراع إيراني مفتوح.
أما فلسطين، فقضيتها أكبر من أن تتحول إلى ورقة نفوذ في يد أي عاصمة. ولهذا فإن المعركة القادمة لن تكون فقط على حدود النفوذ الإيراني، بل على المفهوم الذي يحكم العلاقات بين دول المنطقة.
إما أن يستمر منطق «الوارث» الذي يظن أن له حقاً في وراثة الجوار، وإما أن تنتصر قاعدة الدولة والسيادة والندية.
فالوارث الحقيقي لا يرث الشعوب والدول… ومن ظن أن الجوار إرثٌ له، سيكتشف عاجلاً أم آجلاً أن السيادة لا تُورث، وأن الأوطان ليست تركة لأحد.



