أميركا وإيران من التسوية الهشّة إلى صفر تسامح؟
“المدارنت”
بعد وقائع التسوية الهشة التي عقبت «مذكرة التفاهم» بين أمريكا وإيران، وتضمنت، إضافة إلى جولات من الضربات المتبادلة، محاولات ماراثونية طويلة ومعقدة لباكستان وقطر وعُمان لإعادة المتحاربين إلى سكة التسوية، أعلن الرئيس الأمريكي قرار استخدام الحرب الاقتصادية الشاملة بدلا عن الأعمال العسكرية، لكن الضغوط أدت، كما كان متوقعا، إلى استئناف الأعمال الحربية بقوة بين الطرفين.
في غضون ساعات مساء الثلاثاء وفجر أمس الأربعاء، قصفت الولايات المتحدة قرابة مئة هدف في جنوب وجنوب شرق إيران، شملت منشآت للحرس الثوري ورادارات ودفاعات جوية وقدرات بحرية وناقلتي نفط، لترد طهران بوابل من الصواريخ والمسيرات على مواقع أمريكية في الأردن والبحرين والكويت والعراق، وبذلك عادت المواجهة، التي بدا قبل أسابيع أنها تنزلق نحو حرب اقتصادية طويلة، إلى هوة الحرب العسكرية المفتوحة.
بذلك انضاف التصعيد العسكري إلى الاقتصادي، فأعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت سياسة «صفر تسامح» ضد المؤسسات التي تتعامل مع الحرس الثوري، متحدثا عن عقوبات جديدة تتصعّد بشكل أسبوعي لملاحقة أصول بمئات ملايين الدولارات.
تواجه إيران نتيجة هذه الحرب المزدوجة، حسب الرؤية الأمريكية، ثلاثة سيناريوهات: انقسام داخل الحرس الثوري، أو عودة الاحتجاجات الداخلية وتوسعها، أو… العودة إلى المفاوضات.
أدت الجولة الأخيرة من القصف الأمريكي، حسب الأنباء الإيرانية، إلى سقوط قتلى وجرحى بينهم نساء وأطفال في منزل كان يحتضن حفل زفاف في سيريك، وتساءل مسؤول برلماني إيراني كيف تعجز دولة تملك تقنيات مراقبة متطورة عن التمييز بين هدف عسكري أو مدرسة او حفل زفاف.
طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تصريح جديد، الشعب الإيراني بالانتفاض على حكامه، غير أن استهداف المدنيين الإيرانيين يظهر تناقض هذه الدعوات، ويسمح للسلطات الإيرانية بتبرير المصاعب الاقتصادية والردود العسكرية والتعبئة الداخلية.
المشكلة الأعمق لطهران أن مسعاها للهيمنة على مضيق هرمز أدى إلى فقدانه جزءا من قيمته، فدول الخليج العربي تستثمر في خطوط أنابيب ومسارات تصدير بديلة، وأظهرت الأزمة قدرة متزايدة لديها على تشغيل ناقلات عملاقة وتقليل عدد السفن المطلوبة لنقل الكميات نفسها من النفط. حتى في ذروة التصعيد الأخير، أفادت واشنطن بأن 17 مليون برميل عبرت المضيق في يوم واحد.
ضمن هذا السياق، فإن استخدام إيران للمضيق كسلاح، دفع البلدان المشاطئة إلى تسريع بناء البدائل التي تضعف ذلك السلاح الآن وفي المستقبل.
سيكون خطأ أمريكيا، رغم ذلك، الاعتقاد بأن الضغوط ستقود آليا إلى الاستسلام. تظهر التجربة أنه إذا وضعت طهران أمام خيار الإذعان الكامل او التصعيد، فقد تختار الثاني: ضرب ناقلات أكبر، أو خطوط أنابيب تتجاوز هرمز، أو توسيع العمليات إلى ساحات أخرى. السيناريو الممكن، في هذه الحالة، هو وقوع قتلى أمريكيين، أو تعرض منشأة إيرانية حساسة لضربة واسعة، مما يفجّر الوضع أكثر ويدفع المنطقة الى حرب يصعب ضبط حدودها.
تبدو الدبلوماسية، ضمن هذه الاحتمالات الصعبة، أكثر إلحاحا. في حزيران / يونيو الماضي نجحت وساطة باكستان، بمشاركة قطر لاحقا، في إنتاج «مذكرة إسلام أباد»، مما أدى إلى وقف مؤقت للقتال، وإلى سعي الطرفين العودة إلى صيغة تفاوضية، وكان أبرز ما طرأ مؤخرا في هذا السياق إعلان الرئيس مسعود بزشكيان أن إيران مستعدة للالتزام إذا عادت واشنطن إلى تنفيذ تعهداتها السابقة.
إذا أخذنا التطوّرات الأخيرة في الاعتبار، فإن إيران قد تضطر إلى تقديم تنازلات تحت ضغط الأزمة الاقتصادية وتراجع فعالية ورقة هرمز. لكن أي اتفاق مستدام يحتاج أيضا إلى تنازل أمريكي مقابل يتمثل في تخفيف تدريجي للعقوبات مقابل خطوات إيرانية قابلة للتحقق. تحويل «صفر تسامح»، حسب اصطلاح بيسنت، إلى «صفر تفاوض»، لن يكون استراتيجية للنصر، بل وصفة لجولة أخرى من الحرب.



